شهدت مدينة المكلا، عاصمة محافظة حضرموت مساء اليوم السبت، تطورًا خطيرًا أعاد إلى الواجهة طبيعة الصراع السياسي الدائر في الجنوب، بعد أن تحولت فعالية جماهيرية سلمية إلى مشهد دموي عقب إطلاق نار كثيف من قبل قوات الطوارئ اليمنية التابعة للسلطات المدعومة سعوديًا، ما أسفر عن سقوط ثلاثة شهداء وإصابة خمسة آخرين، بينهم حالات وصفت بالخطيرة.
الواقعة التي هزّت الشارع الحضرمي لم تكن مجرد حادث أمني عابر، بل بدت – وفق مراقبين – مؤشرًا على مرحلة جديدة من التوتر السياسي في حضرموت، المحافظة التي باتت اليوم تمثل أحد أهم مفاتيح المعادلة السياسية في الجنوب.
حضرموت تحتشد… والرسالة واضحة
قبل أن يتعالى صوت الرصاص، كانت المكلا تشهد واحدة من أكبر الفعاليات الجماهيرية التي خرج فيها آلاف المواطنين للتعبير عن موقفهم السياسي، في مشهد حمل دلالات عميقة حول المزاج الشعبي في حضرموت.
المشاركون في التظاهرة رفعوا شعارات تؤكد الهوية الجنوبية للمحافظة، كما شددوا على دعمهم للمجلس الانتقالي الجنوبي بقيادة الرئيس القائد عيدروس الزبيدي باعتباره – الممثل السياسي لتطلعات شريحة واسعة من أبناء الجنوب.
ولم تكن هذه الرسائل عفوية أو عابرة، بل جاءت في سياق حراك شعبي متصاعد يهدف إلى التأكيد على أن حضرموت، بتاريخها ومكانتها وثقلها الاقتصادي، جزء أصيل من المشروع الوطني الجنوبي.
عندما يُقابل الصوت السلمي بالرصاص
لكن المشهد سرعان ما أخذ منحنى خطيرًا عندما فتحت قوات الطوارئ النار بكثافة على المحتجين، مستخدمة أسلحة متوسطة في محاولة لتفريق الحشود، في خطوة اعتبرها ناشطون وسياسيون تصعيدًا غير مسبوق ضد احتجاجات سلمية.
هذا التطور أثار موجة غضب واسعة في الأوساط الشعبية والحقوقية، خصوصًا أن التظاهرة كانت – بحسب شهود – سلمية بالكامل ولم تشهد أي أعمال عنف تبرر استخدام القوة المفرطة.
ويرى مراقبون أن اللجوء إلى الرصاص في مواجهة الحشود يعكس حالة قلق لدى بعض الأطراف من اتساع الحضور الشعبي للقضية الجنوبية في حضرموت، وهي المحافظة التي ظلت لسنوات هدفًا لمحاولات إعادة تشكيل موازين القوى فيها.
حضرموت… العقدة السياسية في الجنوب
لا يمكن فهم ما جرى في المكلا بعيدًا عن الأهمية الاستراتيجية لحضرموت في المشهد الجنوبي.
فالمحافظة ليست فقط الأكبر مساحة والأغنى بالموارد، بل تمثل أيضًا مركز ثقل سياسي واقتصادي يجعلها عنصرًا حاسمًا في أي ترتيبات سياسية تخص مستقبل الجنوب.
ولهذا، فإن الحشود الجماهيرية التي خرجت في المكلا حملت رسالة سياسية واضحة مفادها أن الشارع الحضرمي حاضر في معادلة القرار الجنوبي، ولا يمكن تجاوزه أو القفز فوق إرادته.
لماذا يخشون المليونيات الجنوبية؟
المليونيات والفعاليات الجماهيرية في الجنوب، خاصة في عدن وحضرموت، باتت تشكل مؤشرًا سياسيًا مهمًا يتابعه المجتمع الدولي والمنظمات الحقوقية المعنية بملف اليمن.
فهذه الحشود الشعبية تكشف – على الأرض – حقيقة موازين التأييد الشعبي، وهو ما يجعل بعض القوى تنظر إليها بقلق، خصوصًا عندما تحمل رسائل سياسية واضحة تدعم المشروع الجنوبي.
ويرى محللون أن هذه الفعاليات تكسر الروايات التي تحاول تصوير الجنوب وكأنه يعيش حالة انقسام أو تراجع في التأييد الشعبي لقضيته، إذ تظهر الجماهير في كل مرة لتؤكد أن القضية الجنوبية ما تزال حاضرة بقوة في وجدان الناس.
مطالبات بتحقيق عاجل ومحاسبة المسؤولين
أحداث المكلا دفعت شخصيات سياسية وحقوقية إلى المطالبة بفتح تحقيق عاجل وشفاف لكشف ملابسات إطلاق النار على المتظاهرين، ومحاسبة المسؤولين عن سقوط الضحايا.
ويرى ناشطون أن العدالة للضحايا تمثل اختبارًا حقيقيًا لاحترام حق المواطنين في التظاهر السلمي، مؤكدين أن تجاهل هذه المطالب قد يؤدي إلى مزيد من الاحتقان في الشارع.
كما شددوا على أن حماية حق التعبير السلمي يجب أن تكون أولوية، خصوصًا في مرحلة حساسة تمر بها المنطقة سياسيًا وأمنيًا.
الجنوب أمام اختبار جديد
ما جرى في المكلا لم يكن عباره عن حادث أمني، بل حدث سياسي يعكس حجم الصراع حول مستقبل الجنوب وموقع حضرموت في هذه المعادلة.
فالدماء التي سالت في شوارع المكلا أعادت التأكيد على حقيقة باتت واضحة لدى كثيرين:
أن القضية الجنوبية لم تعد مجرد شعار سياسي، بل قضية شعب يمتلك إرادة حاضرة في الشارع.
ومع كل محاولة لإخماد هذا الصوت، يبدو أن الرسالة التي تخرج من الميادين أكثر وضوحًا:
أن الجنوب ما يزال حيًا في وجدان أبنائه، وأن حضرموت – كما كانت عبر التاريخ – ستظل جزءًا أساسيًا من هذا المسار
















