رأي عرب تايم
في منعطف تاريخي حاسم، يواجه الجنوب العربي حاليًّا موجة من التصعيد القمعي الممنهج الذي يستهدف تقويض تطلعاته الوطنية، حيث تحولت مدينة المكلا، عاصمة حضرموت، إلى ساحة لمواجهة غير متكافئة بين صدور عارية وقوى تسعى لفرض هيمنتها عبر فوهات البنادق.
ما شهدته المكلا من انتهاكات جسيمة لا يمكن تصنيفه إلا كجريمة مكتملة الأركان ضد الإنسانية والحق في التعبير السلمي. فقد عمدت سلطات الأمر الواقع إلى استخدام القوة المفرطة والرصاص الحي لتفريق تجمعات سلمية لم تطالب بأكثر من حقوقها المشروعة في العيش الكريم والسيادة على أرضها.
حملات الملاحقة والاعتقالات التعسفية التي طالت النشطاء لم تكن مجرد رد فعل أمني، بل هي سياسة ممنهجة لكسر الإرادة الشعبية في حضرموت، بوصفها الثقل الاستراتيجي والاقتصادي للجنوب. هذه الانتهاكات الصارخة وضعت القوى الدولية أمام اختبار حقيقي لمصداقية شعاراتها حول حقوق الإنسان، حيث أصبح الصمت العالمي بمثابة ضوء أخضر لاستمرار آلة القتل.
وأثبتت ردود الفعل المتسارعة في العاصمة عدن ومحافظة الضالع وبقية أرجاء الجنوب، أن الرهان على تمزيق الجسد الجنوبي هو رهان خاسر. لقد تحولت دماء شهداء وجرحى المكلا إلى عصب وطني يربط المحافظات ببعضها، مؤكدةً حقيقة راسخة: أن الدم الحضرمي هو دم جنوبي أصيل، وأن أي اعتداء على المكلا هو استهداف مباشر للهوية الوطنية الجنوبية برمتها.
هذا التلاحم الشعبي الذي تجسد في الاحتشاد بالساحات العامة، يعكس بلوغ الوعي الجمعي مرحلة اللاتراجع.
وسط هذا الغليان، تبرز المرجعية السياسية للشعب الجنوبي كحائط صد منيع؛ حيث جددت الجماهير في تقاريرها الميدانية وهتافاتها الثورية التفويض الشعبي المطلق للمجلس الانتقالي الجنوبي، بقيادة الرئيس القائد عيدروس بن قاسم الزبيدي.
هذا التفويض ليس مجرد إجراء بروتوكولي، بل هو استشعار للمسؤولية التاريخية الملقاة على عاتق القيادة كمدافع أول عن تطلعات الشعب وحامي حياضه أمام المؤامرات الإقليمية والمحلية.
الجنوب اليوم، وهو يقف خلف قيادته وتحت راية استعادة دولته، يبعث برسالة أخيرة وهي أن سياسات القمع لن تزيد الجنوبيين إلا إصرارا. فاستقرار المنطقة وممراتها الملاحية الدولية يمر عبر بوابة إنصاف شعب الجنوب واحترام إرادته. فالمكلا اليوم لا تصرخ وجعاً، بل تزأر فخراً بوطن يأبى الانكسار، ويضع كرامة الإنسان فوق كل اعتبار سياسي.
















