تكشف التسريبات الصادرة عن دوائر أمنية في تل أبيب، كما نقلتها صحيفة معاريف، عن تحوّل نوعي في الاستراتيجية العسكرية الإسرائيلية، يقوم على إدارة مواجهة متزامنة في كل من إيران ولبنان، في وقت يواجه فيه الجيش تحديات متزايدة على مستوى الجاهزية والموارد البشرية.
توسيع ساحة المواجهة نحو العمق الإيراني
تشير المعطيات إلى أن العمليات الإسرائيلية داخل إيران لم تعد تقتصر على ضربات محدودة، بل تتجه نحو تصعيد أوسع يستهدف البنية التحتية العسكرية، خاصة الصناعات الدفاعية. ويأتي اغتيال قيادات بارزة، من بينهم قائد في الحرس الثوري الإيراني، ضمن سياق تمهيد عملياتي لما يُعرف بعملية “زئير الأسد”، التي قد تمثل مرحلة أكثر شمولًا في الصراع.
هذا النهج يعكس محاولة إسرائيلية لإضعاف القدرات الاستراتيجية الإيرانية على المدى المتوسط، عبر استهداف مراكز الإنتاج والتطوير، وليس فقط المنصات القتالية.
الجبهة اللبنانية: إعادة رسم قواعد الاشتباك
على الجبهة الشمالية، يبدو أن إسرائيل تعمل على إعادة هيكلة مسرح العمليات في جنوب لبنان من خلال اعتماد “خطوط دفاع وهجوم” متعددة:
- خط أول يهدف إلى حماية المستوطنات الحدودية.
- خط ثانٍ يمتد إلى عمق القرى الجنوبية مع تكثيف استخدام الأسلحة المضادة للدروع.
- خط ثالث يصل حتى نهر الليطاني، في محاولة لخلق منطقة عازلة واسعة.
في المقابل، يواصل حزب الله إظهار قدرة على الصمود، من خلال بنية دفاعية متعددة الطبقات وشبكات أنفاق وتسليح موزع داخل المناطق السكنية، ما يعقّد أي تقدم بري إسرائيلي.
تصعيد ناري متبادل وضغط متزايد
تشير التقديرات إلى تصاعد غير مسبوق في كثافة النيران، حيث أطلق حزب الله مئات الصواريخ خلال فترة قصيرة، في محاولة لاحتواء التقدم البري الإسرائيلي ومنع عزله ميدانيًا. ويُفسَّر هذا التصعيد بأنه رد فعل على ضغط عسكري متزايد، وخشية من الانفراد به في ساحة المواجهة.
في المقابل، تعرضت مدن إسرائيلية مثل تل أبيب ونهاريا لقصف، ما يعكس انتقال المعركة إلى العمق المدني، ويزيد من كلفة المواجهة داخليًا.
أزمة داخلية في الجيش الإسرائيلي
ورغم هذا التصعيد الخارجي، تكشف التقارير عن تحدٍ أخطر يتمثل في الوضع الداخلي للجيش. فقد أقر رئيس الأركان إيال زامير بوجود أزمة حقيقية في قوام القوة البشرية، مع نقص في الطيارين، ووحدات المشاة، والمدرعات، وحتى القوات الهندسية.
كما يعاني الجنود من إرهاق شديد نتيجة استمرار العمليات العسكرية لفترات طويلة، ما يطرح تساؤلات حول قدرة الجيش على خوض حرب طويلة متعددة الجبهات دون إعادة هيكلة أو دعم إضافي.
معضلة الاستراتيجية الشاملة
تعكس هذه التطورات معضلة استراتيجية عميقة:
- من جهة، تسعى إسرائيل إلى تحقيق حسم عسكري سريع عبر توسيع نطاق العمليات.
- ومن جهة أخرى، تواجه خطر الاستنزاف البشري والعسكري، خاصة مع تعدد الجبهات وتزايد الضغوط الداخلية.
وتحذر أصوات داخل المؤسسة العسكرية من أن تحميل الجيش مهام تفوق قدرته قد يؤدي إلى نتائج عكسية، خصوصًا في ظل غياب استراتيجية سياسية واضحة تحدد أهداف الحرب ونهايتها.
مفترق طرق
تقف إسرائيل أمام مفترق طرق حساس: فالتصعيد على جبهتي إيران ولبنان قد يمنحها مكاسب تكتيكية، لكنه في الوقت ذاته يفاقم تحدياتها الاستراتيجية. وبين الرغبة في الحسم السريع وخطر الاستنزاف الطويل، يبقى السؤال الأهم: هل تستطيع إسرائيل إدارة حرب متعددة الجبهات دون أن تنعكس الضغوط الداخلية على قدرتها القتالية؟
















