كتب/ عبدالسلام محمد قاسم
ليس لأننا من الضالع نكتب، بل لأن الحقيقة حين تُنصف، تبدأ من هناك… من أرضٍ تعلّمت كيف تُحيل الألم قوة، والانكسار انتصارًا، والرماد ميلادًا جديدًا.
فالضالع ليست مجرد رقعة جغرافية، بل نبضٌ حيّ في قلب الجنوب، وركنٌ أصيل في معادلة الكرامة التي لا تُشترى ولا تُمنح… بل تُنتزع انتزاعًا.
حبّنا للضالع ليس تعصّبًا أعمى، بل إدراكٌ عميق لمعنى أن تكون الأرض موقفًا، وأن يكون الإنسان قضية.
هي قلعة الجنوب التي لم تنحنِ، مهما تكاثرت عليها المعاول، ولم تتراجع، ولو تزاحمت عليها الخطوب. تقف كما الجبال الراسخة، بل أشدّ… لأن الجبال قد تميل، أما الضالع فلا.
الضالع حكاية صمود تُروى بمداد الدم، لا بالحبر.
كلما ظنّ الغزاة أنهم أخمدوا نارها، اشتعلت من جديد… كالعنقاء التي لا تعرف الموت. هنا، لا تُقاس المعارك بعددها، بل بثبات رجالها، ولا تُكتب النهايات إلا بنصرٍ أو شهادة.
نحب الضالع… لأنها لم تكن يومًا متفرجًا في معارك الجنوب، بل كانت في مقدّمة الصفوف، تحمل العبء مع كل محافظات الجنوب العربي الحر، وتؤمن أن المعركة واحدة، والمصير واحد.
فالضالع ليست وحدها من تصنع المجد، بل هي جزء من لوحة جنوبية متكاملة، تتقاسم فيها كل المحافظات شرف الصمود وواجب الدفاع، من الساحل إلى الجبل، ومن المدينة إلى القرية.
وحين تضيق الأرض، تتسع الضالع…
تصير سندًا لأخواتها، وظهرًا لا يُكسر، وملاذًا لكل من ضاقت به السبل. وفي هذا، لا تتقدم الضالع على غيرها، بل تتكامل معهم، لأن الجنوب لا يُبنى بجزءٍ دون آخر، ولا ينهض إلا بوحدة صفه وتلاحم أبنائه.
أهل الضالع لا يخذلون، ولا يساومون، ولا يبيعون الرفاق في أسواق المصالح.
لكنهم، في الوقت ذاته، يرون في بقية محافظات الجنوب العربي الحر امتدادًا لروحهم، وشركاء في الدم والمصير. فالوفاء الذي يسكن الضالع، هو ذاته الذي يسكن كل أرضٍ جنوبية حرة، لا تقبل الضيم ولا ترضى بالانكسار.
ومع ذلك، فإن أي مجتمعٍ حيّ، مهما سما، لا يخلو من حالاتٍ فردية تشذّ عن قيمه، أو نماذج لا تعبّر عن جوهره.
وفي الضالع، قد تظهر قِلّةٌ لا تمثّل إلا نفسها، سرعان ما يلفظها الوعي الجمعي، ويضعها في حجمها الحقيقي؛ استثناءٌ لا يُقاس عليه، وظلٌّ لا يحجب شمس الحقيقة.
فالقيم هنا ليست شعارات تُرفع، بل سلوكٌ يُراقبه المجتمع ويحرسه، لذلك تبقى الصورة العامة ناصعة، عصيّة على التشويه أو الاختزال.
الضالع ليست محافظة تُذكر في نشرات الأخبار،
بل صفحة مضيئة في كتاب الجنوب الكبير، عنوانها العزة، ومضمونها التضحية، وخاتمتها نصرٌ يُكتب بدماء الأوفياء.
حب الضالع… ليس انحيازًا، بل اعتراف.
واعترافنا بها لا ينتقص من غيرها، بل يضيء الصورة الكاملة لوطنٍ واحد، تتعدد فيه الجبهات، لكن تتوحد فيه الراية.
ومن لا يرى ذلك… فلا يُلام،
فالشمس لا تحتاج شهادة من عينٍ لا تُبصر.
















