(عرب تايم) خاص
في مدينة تعز، التي أنهكتها الحرب وأثقلتها الأزمات، يبرز مركز القلب والأوعية الدموية كواحد من أهم المشاريع الطبية التي وُلدت من رحم المعاناة، ليصنع خلال سنوات قليلة نموذجًا استثنائيًا في الصمود والابتكار الطبي. لم يكن هذا المركز مجرد منشأة صحية، بل تحوّل إلى شريان حياة لآلاف المرضى، وبارقة أمل في بلد يعاني من تدهور كبير في القطاع الصحي.
يقف خلف هذا الإنجاز الدكتور أبو ذر الجندي، مؤسس ومدير المركز، الذي اتخذ قرارًا مفصليًا بالعودة من السعودية إلى وطنه، مدفوعًا بإيمان عميق بأن التغيير الحقيقي يبدأ من الداخل. فقد عايش عن قرب معاناة المرضى، وصعوبة السفر للعلاج في الخارج، وارتفاع تكاليفه، ليقرر أن يكون جزءًا من الحل، لا مجرد شاهد على الأزمة.
إنجازات طبية تضع اليمن على خارطة الجراحة المتقدمة
منذ تأسيسه، حقق المركز قفزات نوعية غير مسبوقة، حيث تمكن حتى نوفمبر 2025 من إجراء أكثر من 1200 عملية قلب مفتوح، و140 عملية زراعة كلى، إضافة إلى أكثر من 2000 عملية أوعية دموية. هذه الأرقام ليست مجرد إحصائيات، بل تعكس حجم الجهد والإصرار لفريق طبي يمني خالص.
ومن أبرز الإنجازات التي سُجلت باسم المركز تنفيذ أول عملية مركبة في اليمن والعالم العربي، جمعت بين جراحة القلب المفتوح وزراعة الكلى في آنٍ واحد، في إنجاز طبي يعكس مستوى متقدمًا من التنسيق والكفاءة.
ولم يتوقف التميز عند هذا الحد، فقد أعلن المركز نجاح ثلاث عمليات زراعة كبد، تُعد عرب تايمى من نوعها في اليمن، ما يمهّد الطريق لدخول البلاد مرحلة جديدة من الجراحات الدقيقة والمتقدمة.
حالات إنسانية… وعمليات تنقذ الحياة
شهد المركز عشرات الحالات المعقدة والنادرة، من بينها إصلاح صمامات القلب، وزراعة الشرايين التاجية، واستئصال أورام قلبية نادرة، بالإضافة إلى زراعة كلى لطفل من محافظة حجة. هذه النماذج تختصر حجم الدور الإنساني الذي يلعبه المركز، حيث لا يُنظر إلى المرضى كأرقام، بل كقصص حياة تستحق الإنقاذ.
فريق طبي يمني… بكفاءة عالمية
يرجع الدكتور الجندي نجاح المركز إلى تمكين الفريق الطبي ومنحه الثقة الكاملة، مؤكدًا أن البيئة الداعمة تُخرج أفضل ما لدى الأطباء. وقد تم تدريب الكوادر في مراكز عربية متقدمة، أبرزها الأردن، ما ساهم في نقل الخبرات وتوطينها داخل اليمن.
كما أطلق المركز برامج أكاديمية متقدمة، تشمل الدكتوراه في جراحة القلب، والماجستير في تخصصات القلب والأوعية، إضافة إلى برامج البورد في جراحة المسالك البولية، لتأهيل جيل جديد من الأطباء محليًا.
شراكات دولية رغم التحديات
رغم الظروف الصعبة، نجح المركز في بناء شبكة علاقات مع خبرات طبية من دول عدة، بينها مصر، قطر، ألمانيا، تركيا، بريطانيا، والولايات المتحدة، عبر برنامج “الطبيب الزائر”، الذي يتيح تبادل الخبرات بشكل مباشر.
تحديات قاسية… وإصرار أكبر
رغم هذا النجاح، يواجه المركز تحديات كبيرة، أبرزها غياب الدعم المالي الحكومي بسبب الحرب، والضغط المتزايد نتيجة استقبال أكثر من 2500 مريض شهريًا. كما تؤثر الأوضاع الاقتصادية والأمنية على قدرة المرضى في الوصول إلى العلاج وتحمل تكاليفه.
ومع ذلك، يواصل المركز تقديم خدماته بأسعار رمزية، انطلاقًا من إيمانه بأن الرعاية الصحية حق للجميع، لا امتيازًا لفئة دون أخرى. ويعتمد في ذلك على نموذج تمويلي يوازن بين دعم القادرين وغير القادرين، إلى جانب مساهمات المانحين.
إنسانية قبل كل شيء
لم يغفل المركز دوره الإنساني، حيث يقدم القسطرة القلبية الإسعافية مجانًا، ويجري العمليات الكبرى بتكاليف مخفضة، تأكيدًا لرسالته القائمة على إنقاذ الأرواح قبل أي اعتبار آخر.
كما أدخل تقنيات حديثة مثل جراحة القلب بالمناظير (التدخل المحدود)، التي تقلل الألم وتسرّع التعافي، مع خطط مستقبلية لإدخال زراعة الصمامات بالقسطرة وخدمات متقدمة في كهربائية القلب.
رؤية نحو المستقبل
يتطلع الدكتور الجندي إلى أن يتحول المركز خلال السنوات الخمس القادمة إلى مستشفى مرجعي على مستوى اليمن والمنطقة، متخصص في جراحة القلب وزراعة الأعضاء، بمستوى ينافس إقليميًا.
رسالة أمل
في ختام رحلته، يوجه الجندي رسالة للكوادر الشابة: أن يحددوا أهدافهم، ويثقوا بأن الحل دائمًا موجود، وأن الإيمان والعمل هما الطريق الحقيقي للتغيير.
أما رسالته للمجتمع، فهي بسيطة وعميقة:
“أن توقد شمعة خير، خير من أن تلعن الظلام.”
هكذا، من قلب المعاناة، يواصل مركز القلب في تعز كتابة قصة استثنائية، تثبت أن الأمل يمكن أن يولد حتى في أقسى الظروف، وأن الإرادة قادرة على صنع المعجزات.
















