في مايو 2026، تمر مبادرة الحزام والطريق بتحول جذري يبتعد عن “دبلوماسية التشييد” التقليدية والمشاريع الضخمة، ليدخل مرحلة أكثر ذكاءً واستدامة تُعرف بـ “المشاريع الصغيرة والجميلة” (Small and Stunning Tasks). هذا التحول ليس مجرد تغيير في الحجم، بل هو إعادة صياغة شاملة لمواجهة ضغوط الديون العالمية، التوترات الجيوسياسية، والحاجة الملحّة للتحول الرقمي والأخضر.
1. الانتقال إلى “المشاريع الصغيرة والجميلة” (Good & Small)
بعد عقد من المشاريع المليارية (مثل سكك حديد مومباسا-نيروبي)، أدركت بكين أن المخاطر المالية والسياسية أصبحت تتطلب نموذجًا مختلفًا:
التركيز: التحول نحو مشاريع ذات تكلفة أقل، عوائد أسرع، وأثر اجتماعي مباشر (الرعاية الصحية، التعليم، والطاقة المتجددة الصغيرة).
التمويل: انخفاض الاعتماد على القروض السيادية الضخمة مقابل زيادة مشاريع الشراكة بين القطاعين العام والخاص (PPP) لتقليل مخاطر “فخ الديون”.
النتائج: في الربع الأول من 2026، بلغت قيمة العقود الهندسية الجديدة في دول الحزام والطريق حوالي 348.51 مليار يوان ($50.15 مليار دولار)، بزيادة 2.4%، مما يعكس استمرار الزخم مع تحسين الجودة.
2. “طريق الحرير الرقمي” (Digital Silk Street): القوة الناعمة التكنولوجية
تعتبر التكنولوجيا هي المحرك الرئيسي للمبادرة في 2026 لمواجهة الحصار التقني الغربي:
البنية التحتية الرقمية: الاستثمار المكثف في مراكز البيانات (Knowledge Facilities)، شبكات الجيل الخامس (5G)، وأنظمة الموانئ الذكية، خاصة في دول الخليج وجنوب شرق آسيا.
الذكاء الاصطناعي: أصبحت الصين تدمج حلول الذكاء الاصطناعي في إدارة المدن الذكية والخدمات المالية الرقمية (Fintech) للدول الشريكة، مما يخلق “نظامًا تقنيًا” متكاملًا يعتمد على المعايير الصينية.
3. “طريق الحرير الأخضر” والتحول الطاقي
لمواجهة انتقادات التلوث البيئي، أعادت الصين صياغة المبادرة لتكون أكبر داعم للطاقة النظيفة في العالم النامي:
وقف تمويل الفحم: التزمت الصين تمامًا بوقف مشاريع الفحم وتركيز الاستثمارات على طاقة الرياح والشمس والهيدروجين الأخضر.
مثال حي (2026): تنفيذ الصين لأكبر مشروع لتخزين الطاقة خارج الشبكة في العالم لصالح “مشروع البحر الأحمر” في السعودية، كجزء من مواءمة المبادرة مع رؤية 2030.
4. تدويل اليوان ونظام “CIPS”
لمواجهة خطر العقوبات المالية الغربية وهيمنة الدولار، تسرع الصين من دمج عملتها في المبادرة:
نظام الدفع (CIPS): بنهاية مارس 2025، وصل عدد المشاركين في نظام المدفوعات عبر الحدود باليوان الصيني إلى 1،667 مشاركًا يغطون 186 دولة.
النمو التجاري: في عام 2024، تجاوز حجم التجارة بين الصين ودول المبادرة 22 تريليون يوان، وهو ما يمثل لأول مرة أكثر من 50% من إجمالي تجارة الصين الخارجية، مما يعزز اليوان كعملة تسوية رئيسية.
5. العودة للمشاريع الكبرى “الاستراتيجية” فقط
رغم سياسة “الصغير والجميل”، لا تزال الصين تدفع بمشاريع عملاقة ذات أبعاد جيوسياسية حاسمة في 2026:
سكة حديد (الصين-قيرغيزستان-أوزبكستان): مشروع بقيمة 4.7 مليار دولار تم التأكيد على تسريع تنفيذه في مايو 2026 لفتح ممر بري أقصر وأكثر أمانًا نحو أوروبا، متجاوزًا طرقًا تقليدية قد تكون مهددة بالتوترات.
الممرات اللوجستية: التركيز على “ستة ممرات اقتصادية” لربط وسط آسيا وجنوبها بالبحر الأبيض المتوسط عبر الموانئ التي تديرها الصين (مثل ميناء بيرايوس في اليونان وموانئ البحر الأحمر).
6. مواجهة تحدي “فخ الديون” والحوكمة
تعتمد الصين استراتيجية جديدة للرد على الانتقادات الغربية:
الحوكمة العالية: فرض معايير بيئية واجتماعية وحوكمة (ESG) أكثر صرامة على الشركات الصينية العاملة في الخارج.
آليات فض النزاعات: إنشاء مراكز تحكيم تجارية دولية “One-stop” متخصصة في نزاعات الحزام والطريق لضمان الشفافية وجذب الاستثمارات الأجنبية المشتركة.
قوة الصين
وتُعدّ مبادرة الحزام والطريق البرنامج الرئيسي للصين في مجال البنية التحتية الخارجية. وقد كشف عنها الرئيس شي جين بينغ عام ٢٠١٣، وهي تعكس عقودًا من التفكير الاستراتيجي للمخططين ومراكز الأبحاث، إذ تجمع أهدافًا متعددة تحت مظلة واحدة لتعزيز التجارة، واستيعاب فائض الإنتاج، وتأمين سلاسل التوريد، وبسط النفوذ. ومع مرور الوقت، توسّعت المبادرة بشكلٍ كبير، حيث زاد عدد المشاركين فيها إلى أكثر من ١٥٠ دولة ومنظمة دولية.
الصين تتجاوز الأزمات
وكادت هذه الطموحات أن تفشل. أدى تفشي جائحة كوفيد-19 إلى توقف أعمال البناء، في حين تصاعدت انتقادات الحكومات الغربية لما يُزعم أنه “دبلوماسية فخ الديون”، حيث تعثرت دولٌ سيادية مقترضة، من سريلانكا إلى زامبيا، عن سداد ديونها أو دخلت في عمليات إعادة هيكلة مطولة. وتُظهر بيانات جامعة بوسطن أن القروض الخارجية الجديدة التي قدمها بنك التنمية الصيني وبنك التصدير والاستيراد الصيني انخفضت من ذروتها البالغة 87 مليار دولار في عام 2016 إلى 3.7 مليار دولار فقط في عام 2021، وقد عدّلت بكين مسارها منذ ذلك الحين بثلاث طرق رئيسية.
أولًا، لم تعد مشاريع السكك الحديدية والموانئ الضخمة هي محور التركيز الوحيد. فإلى جانب المشاريع الكبيرة، يُركز المسؤولون الآن على ما يُسميه شي جين بينغ “الصفقات الصغيرة والجميلة”؛ وهي مشاريع منخفضة التكلفة وسريعة التنفيذ تهدف إلى تعزيز الرفاه المحلي. تخطط إدارته حاليًا لما يصل إلى 2000 مشروع مماثل في مختلف البلدان النامية خلال السنوات الخمس المقبلة، تشمل الرعاية الصحية، ومكافحة الفقر، والتنمية الزراعية.
ثانيًا، تتغير آليات تمويل الصفقات. فمع تزايد المخاوف بشأن استدامة الديون في البلدان الشريكة الأفقر، وتزايد حذر بكين حيال المخاطر الجيوسياسية لأصولها الخارجية، تتجه الشركات الصينية بشكل متزايد إلى امتلاك حصص في مشاريع البنية التحتية والمشاريع الصناعية، بدلًا من الاكتفاء بتمويلها بقروض سيادية.
ووفقًا لبيانات مركز تطوير البنية التحتية العالمية (GFDC)، استحوذت الكيانات الصينية التي تمتلك حصصًا في رأس المال على نحو 31% من أنشطة مبادرة الحزام والطريق من حيث القيمة في عام 2021، حيث شكلت عقود الإنشاء الجزء الأكبر منها. وبحلول عام 2025، ارتفعت هذه النسبة إلى 40%، مدفوعة بالاستثمارات الاستراتيجية، حيث تُعد شركات القطاع الخاص مثل “لونجي جرين إنرجي” و”بايت دانس” من بين أكبر خمس شركات في هذا المجال، وفقًا لمركز تطوير البنية التحتية العالمية.
ثالثًا، إلى جانب مدّ خطوط السكك الحديدية وخطوط الكهرباء، تسعى بكين أيضًا إلى تطويرٍ أقل وضوحًا لما تُسميه “الربط الناعم”، والذي يتضمن مواءمة اللوائح والمعايير الفنية لضمان اندماج اقتصادات الدول الشريكة بشكلٍ أوثق مع الأنظمة الصينية.
















