(عرب تايم)خاص
مع اقتراب عيد الأضحى، يعود سوق الضباب غرب مدينة تعز إلى الواجهة باعتباره أكبر تجمع لبيع وشراء الأضاحي في المحافظة، حيث يتوافد إليه يومياً مئات المواطنين من مختلف مديريات تعز ومحافظات مجاورة، في محاولة للبحث عن أضحية تناسب أوضاعهم الاقتصادية الصعبة.
لكن خلف هذا الزحام الكبير، تختبئ حكايات مثقلة بالتعب والخذلان، إذ تحولت رحلة شراء الأضحية بالنسبة لكثير من الأسر إلى معركة شاقة مع الغلاء وتدهور مستوى المعيشة.
منذ ساعات الصباح عرب تايمى، تبدأ الحركة بالتصاعد داخل السوق. عشرات الشاحنات المحملة بالأغنام والأبقار تصطف على جانبي الطريق، فيما يملأ الغبار المكان مع حركة السيارات والمواشي والبائعين الذين يحاولون جذب المشترين بأصوات مرتفعة وعروض متكررة.
الوجوه كثيرة، والحركة لا تتوقف، لكن الملاحظ أن أغلب المواطنين يتنقلون بين الحظائر بخطوات بطيئة وعيون متعبة، يتفقدون الأسعار ويسألون عن أثمان الأضاحي، ثم يغادر كثير منهم دون أن يشتري شيئاً.
يقول أحد المواطنين وهو يقف بجانب مجموعة من الأغنام الصغيرة:
“كنا نأتي كل عام ونشتري أضحية حتى لو كانت بسيطة، أما اليوم فأصبح أقل سعر يحتاج إلى مبلغ لا نملكه. الوضع بات أصعب من أي وقت مضى”.
ويؤكد مواطنون أن أسعار الأضاحي هذا العام ارتفعت بشكل كبير مقارنة بالسنوات الماضية، بالتزامن مع استمرار انهيار العملة المحلية وارتفاع أسعار المواد الغذائية والوقود ومختلف الاحتياجات الأساسية.
ويشير كثيرون إلى أن الأسرة أصبحت بالكاد قادرة على تأمين الغذاء اليومي، بينما تحولت متطلبات العيد إلى عبء إضافي يفوق قدرة الناس.
وفي أرجاء السوق، لا تكاد تخلو جلسة أو تجمع من الحديث عن الأزمة الاقتصادية الخانقة.
موظفون حكوميون يشكون من تأخر صرف الرواتب أو انقطاعها، وعمال يوميون يقولون إن فرص العمل تراجعت بشكل كبير، فيما تتزايد متطلبات الحياة يوماً بعد آخر.
أحد الموظفين الحكوميين تحدث بحسرة قائلاًراتبي لم يعد يكفي لأسبوع واحد، فكيف يمكنني شراء أضحية أو حتى توفير مستلزمات العيد لأطفالي؟ أصبحنا نأتي إلى السوق فقط لنشاهد الأسعار ثم نعود”.
وتبدو معاناة الأسر أكثر وضوحاً مع اقتراب العيد، حيث يحاول كثير من الآباء الحفاظ على فرحة أبنائهم رغم الظروف القاسية. بعضهم يكتفي بشراء كميات محدودة من الملابس أو الحلويات، فيما اضطر آخرون للتخلي عن فكرة الأضحية نهائياً لأول مرة منذ سنوات.
وفي الجهة المقابلة، يؤكد باعة المواشي أنهم أيضاً يواجهون صعوبات كبيرة، مشيرين إلى أن ارتفاع الأسعار لم يأتِ من فراغ، بل نتيجة تضاعف تكاليف النقل والأعلاف وارتفاع أسعار الوقود والضرائب والنفقات المرتبطة بتربية المواشي.
أحد التجار أوضح أن تكلفة نقل المواشي من مناطق التربية إلى مدينة تعز ارتفعت بشكل لافت خلال الأشهر الماضية، إضافة إلى ارتفاع أسعار الأعلاف بشكل مستمر، ما دفع التجار إلى رفع أسعار البيع لتغطية التكاليف.
ويضيف الناس يعتقدون أننا نبالغ في الأسعار، لكن الحقيقة أن التكاليف أصبحت مرتفعة جداً. حتى نحن نعاني من ضعف البيع هذا الموسم”.
ورغم الازدحام الكبير الذي يشهده السوق يومياً، إلا أن التجار يؤكدون أن حركة الشراء الفعلية أقل بكثير من الأعوام السابقة، حيث يقتصر الأمر في كثير من الأحيان على السؤال والمفاصلة دون إتمام عمليات البيع.
ويقول بعض الباعة إنهم كانوا في مواسم سابقة يبيعون أعداداً كبيرة من المواشي خلال ساعات قليلة، بينما أصبح البيع هذا العام بطيئاً بشكل غير معتاد، رغم اقتراب العيد وازدحام السوق بالمواطنين.
وفي أنحاء السوق، تظهر ملامح القلق على وجوه كثير من المتسوقين، خاصة أولئك الذين يصطحبون أبناءهم معهم. أطفال يركضون بين الأغنام بفرح بريء، بينما يقف آباؤهم في حيرة أمام الأسعار المرتفعة، غير قادرين على تحقيق رغبات أسرهم كما كانوا يفعلون في السابق.
ويقول أحد المواطنين إنه جاء إلى السوق منذ الصباح الباكر بحثاً عن أضحية “بسعر معقول”، لكنه فوجئ بأن الأسعار أعلى بكثير مما توقع، مضيفاً أنه قد يضطر إلى تأجيل الشراء حتى الأيام الأخيرة على أمل انخفاض الأسعار.
لكن كثيرين لا يبدون متفائلين بإمكانية تراجع الأسعار، في ظل استمرار الأزمة الاقتصادية وتدهور الوضع المعيشي في البلاد، وهو ما يجعل موسم العيد هذا العام من أصعب المواسم التي تمر على اليمنيين.
ويعكس المشهد في سوق الضباب صورة أوسع لحجم المعاناة التي تعيشها الأسر اليمنية عموماً، حيث لم تعد الأزمة تقتصر على تراجع الدخل فقط، بل امتدت إلى تفاصيل الحياة اليومية، من الغذاء والدواء وحتى المناسبات الدينية والاجتماعية التي كانت تمثل مساحة للفرح والتكافل.
ومع استمرار التدهور الاقتصادي، أصبح كثير من المواطنين عاجزين عن الحفاظ على أبسط العادات المرتبطة بعيد الأضحى، وفي مقدمتها شراء الأضحية التي تمثل رمزاً مهماً لدى اليمنيين.
ورغم كل ذلك، لا يزال السوق مكتظاً بالناس مع اقتراب العيد، في مشهد يحمل مفارقة مؤلمة؛ ازدحام كبير يخفي خلفه ضعفاً حاداً في القدرة الشرائية، ومواطنون يتمسكون بالأمل رغم اتساع دائرة المعاناة.
وبين أصوات الباعة، وغبار المواشي، ووجوه الآباء المثقلة بالقلق، تبدو فرحة عيد الأضحى هذا العام في تعز أقل حضوراً، بعدما أثقلت الأزمات الاقتصادية كاهل الناس، وحولت طقوس العيد لدى كثير من الأسر إلى أمنيات مؤجلة بانتظار انفراجة قد تعيد للحياة بعضاً من استقرارها المفقود.
















