تنطلق القمة السنوية لرؤساء شركات الطيران العالمية في ريو دي جانيرو، في وقت يواجه فيه القطاع ضغوطًا متزايدة تفوق تحديات التعافي من جائحة كوفيد-19، وذلك وفق وكالة “بلومبرج“، السبت 6 يونيو 2026.
ويأتي الاجتماع وسط تأثيرات الحرب في إيران التي رفعت تكاليف الوقود وأثرت على حركة الملاحة الجوية، بينما تسعى شركات الطيران إلى مواجهة الأزمة عبر رفع الأسعار وتقليص السعة التشغيلية.
تأخر الطائرات يفاقم الأزمة
يُعقد اجتماع الاتحاد الدولي للنقل الجوي (إياتا) في الفترة من 6 إلى 8 يونيو، في وقت تتزامن فيه صدمة أسعار الوقود مع أزمة أخرى تتمثل في نقص الطائرات الجديدة.
وأدى تأخر تسليمات شركتي بوينج وإيرباص إلى استمرار تشغيل الطائرات القديمة الأقل كفاءة في استهلاك الوقود، ما أدى إلى ارتفاع تكاليف الصيانة والوقود معًا.
توقعات أرباح أقل من المتوقع
كان الاتحاد الدولي للنقل الجوي، الذي يمثل أكثر من 370 شركة طيران تستحوذ على 85% من حركة الطيران العالمية، قد توقع قبل اندلاع الحرب تحقيق أرباح صافية قياسية تصل إلى 41 مليار دولار هذا العام.
لكن من المتوقع أن يقوم مسؤولون تنفيذيون ومحللون بخفض هذه التقديرات خلال الاجتماع في ظل التحديات الحالية.
ضغوط تضخم وتقلب أسعار الوقود
أظهر استطلاع حديث لشركة ديلويت شمل 21 رئيسًا تنفيذيًا لشركات طيران عالمية أن تقلب أسعار الوقود والتضخم يأتيان على رأس المخاطر التي تواجه القطاع.
ودفعت هذه التحديات الشركات إلى التركيز بشكل أكبر على خفض التكاليف وتعزيز الاستقرار المالي في ظل بيئة تشغيلية غير مستقرة.
التكلفة والطلب تحت الضغط
تشكل تكاليف الوقود والعمالة العبء الأكبر على شركات الطيران، مع صعوبة تمرير الزيادات المفاجئة في أسعار الوقود إلى العملاء بسبب بيع جزء كبير من التذاكر قبل أشهر من السفر.
وفي المقابل، يظل رفع أسعار التذاكر سلاحًا مزدوجًا، إذ يساعد الشركات على تعويض التكاليف لكنه قد يؤدي إلى تراجع الطلب، خاصة بين المسافرين ذوي الميزانيات المحدودة.
أزمة صدمة الوقود والمسارات البديلة
الشرارة الأساسية للأزمة الراهنة تعود إلى التوترات الجيوسياسية المستمرة والحرب في إيران، والاضطرابات المحيطة بمضيق هرمز. هذه الأحداث قفزت بأسعار وقود الطائرات لتقترب من حاجز 140 دولارًا للبرميل، بعد أن كانت مستقرة عند مستويات أدنى بكثير العام الماضي.
فاتورة ثقيلة: تمثل تكلفة الوقود حاليًا أكثر من ربع (25%) إجمالي المصاريف التشغيلية لشركات الطيران العالمية، ووفقًا لبيانات المحللين، فإن كل زيادة بمقدار دولار واحد على برميل النفط تضيف ما يقرب من 3 مليارات دولار إلى الفاتورة السنوية الإجمالية للقطاع.
هذا الارتفاع لم يتوقف عند السعر الفعلي للوقود، بل تضاعف أثره بسبب إغلاق بعض الأجواء في الشرق الأوسط، مما اضطر الشركات إلى تسيير رحلاتها عبر مسارات التفافية أطول تستهلك كميات أكبر من الكيروسين. ونتيجة لذلك، أعلنت بعض الشركات إلغاء مسارات حيوية لعدم جدواها الاقتصادية، مثل قرار شركة “إنديجو” إلغاء خط دلهي-مانشستر المباشر مؤخرًا.
مأزق تسليم الطائرات والمحافظة على الأساطيل القديمة
تتزامن صدمة أسعار الوقود الحالية مع أزمة مستمرة وضغط خانق في سلاسل التوريد الخاصة بمصنعي الطائرات (بوينج وإيرباص).
تأخر التسليمات: أدى تأخر تسليم الطائرات الجديدة والحديثة إلى إجبار الشركات على تمديد العمل بالطائرات القديمة الموجودة في الخدمة.
الكفاءة المفقودة: الطائرات القديمة تعد أقل كفاءة في استهلاك الوقود وأعلى في تكاليف الصيانة، مما فاقم الأزمة المركبة (وقود مرتفع السعر + طائرات تستهلك بغزارة).
اختبار الأسعار ومخاوف انكماش الطلب
لم تجد شركات الطيران مفرًا من تمرير هذه التكاليف الباهظة إلى المسافرين عبر رفع أسعار التذاكر. إلا أن هذا الإجراء يمثل سلاحًا ذو حدين:
ونتيجة لهذه الضغوط المتسارعة، خفضت وكالة “موديز” للتصنيف الائتماني نظرتها المستقبلية لقطاع الطيران العالمي من “مستقرة” إلى “سلبية”، متوقعة تراجع الأرباح التشغيلية للقطاع بنسبة تتجاوز 35% خلال عام 2026 مقارنة بالتوقعات المتفائلة السابقة التي كانت تشير إلى أرباح قياسية تبلغ 41 مليار دولار.
ملف البيئة والاستدامة (SAF) في مهب الريح
وسط هذه الهموم المالية والتشغيلية، تراجعت النقاشات المرتبطة بخفض الانبعاثات الكربونية إلى المقاعد الخلفية. فرغم التزام القطاع بالوصول إلى “صفر انبعاثات” بحلول عام 2050، إلا أن الواقع يظهر أن وقود الطيران المستدام (SAF) لا يزال يشكل 0.8% فقط من إجمالي مزيج الوقود العالمي لعام 2026. ومع ضعف السيولة والتركيز على خفض النفقات، يبدو الاستثمار في الوقود الأخضر الفاحش الثمن ترفًا لا تملكه الكثير من الشركات حاليًا، وسط انتقادات من قادة القطاع للحكومات التي تفرض تشريعات ملزمة دون تقديم حوافز إنتاج حقيقية.
يجمع المحللون في ريو دي جانيرو على أن قطاع الطيران يمر الآن باختبار هو الأقسى له منذ عام 2020؛ إذ لم يعد التحدي هو كيفية ملء المقاعد بالركاب، بل كيفية إبقاء الطائرات في الأجواء دون تآكل كامل لأرباح الشركات.

















