تتسارع مؤخرًا الخطوات السياسية والإدارية التي تحمل في طياتها دلالات خطيرة، حيث تشير التقارير الميدانية بوضوح إلى محاولات حثيثة من قبل قوى نفوذ تقليدية لإعادة إنتاج الماضي المرير، وتحديدًا استحضار عقلية تحالف السابع من يوليو لعام 1994م، التي ارتكزت في جوهرها على نهج الاجتياح ومصادرة المؤسسات الجنوبية السيادية.
يشهد المشهد العام موجة متصاعدة من قرارات تسريح القيادات العسكرية الجنوبية الفاعلة، بالتوازي مع إقصاء متعمد للعديد من الكوادر والكفاءات المدنية المشهود لها في مختلف مفاصل الدولة، وهو سلوك يعكس امتدادًا جينيًا لذات الفكر الاستعلائي الإقصائي الذي حوّل الجنوب عقب حرب الصيف إلى أرض مستباحة تخضع لسياسات التهميش والنهب.
الاستهداف الممنهج: العقاب السياسي لمواقف الثوابت الوطنية
إن هذا الاستهداف الممنهج للقيادات والكوادر الجنوبية لا يرتكز بأي حال من الأحوال على معايير الكفاءة المهنية أو محاولات إصلاح الاختلالات الإدارية، بل يمثل إجراءً عقابيًا موجهًا بشكل مباشر ضد كل شخصية وطنية تتمسك بالثوابت الجنوبية وترفض بشكل قاطع المقايضة أو التفريط بموارد الجنوب العربي السيادية.
يأتي هذا الإقصاء الممنهج ليعاقب تلك الشخصيات على مواقفها السياسية الحازمة الرافضة لفرض أي مشاريع تنتقص من حق شعب الجنوب الأصيل في تقرير مصيره، مع إصرارها الواضح على المضي قدمًا نحو استعادة دولته الفيدرالية المستقلة كاملة السيادة على حدود ما قبل الثاني والعشرين من مايو لعام 1990م.
الغرف المغلقة: كواليس محاولات إضعاف الجبهة الداخلية
تؤكد الشواهد الميدانية وجود مخطط ممنهج يُطبخ بمهارة في غرف مغلقة، يهدف في جوهره إلى تكرار سيناريو ما بعد حرب عام 1994م بحذافيره، ولكن من خلال أدوات وأغطية معاصرة؛ حيث يسعى القائمون عليه إلى إفراغ المؤسسات العسكرية والأمنية والمدنية في الجنوب من عناصر القوة الوطنية التي لا تزال تشكل حجر الزاوية في بناء الدولة.
يسعى هذا المخطط إلى إحلال قوى مطيعة أو تابعة في المناصب الحيوية، وذلك لتسهيل تمرير تسويات سياسية مشبوهة تهدف في النهاية إلى إضعاف الجبهة الداخلية للجنوب، وتجريده من قياداته الصلبة التي تشكل صمام الأمان الحقيقي أمام كافة محاولات الالتفاف على التضحيات الجسيمة التي قدمها الحراك الجنوبي والمقاومة المسلحة طيلة العقود الماضية.
الرهان الخاسر: إرادة الشعب الجنوبي تكسر المخططات
أمام هذه المحاولات الدؤوبة لفرض الوصاية وتجريف الكادر الجنوبي، تزداد القناعة الراسخة لدى الشارع في الجنوب بأن سياسة “التقاعد القسري” والإبعاد الإداري لن تؤدي إلا إلى زيادة الشعب تمسكًا بخياراته الإستراتيجية، حيث بات من الواضح أن محاولة إعادة عقارب الساعة إلى ويلات ما بعد العام 1994م تعد رهانًا خاسرًا بكل المقاييس.
تمتلك الحاضنة الشعبية والسياسية في الجنوب اليوم من الوعي والقوة العسكرية والسياسية ما يؤهلها بامتياز لكسر هذا المخطط، وإفشال أي مساعٍ تهدف إلى إبقاء الثروات والقرار الجنوبي رهينة لأطراف تسعى لتجويع الشعب وإخضاعه لمشاريعها الخاصة، مما يقطع الطريق على أي تكرار لتجارب الماضي الأليمة التي أثبتت فشلها الذريع في تطويع إرادة الجنوبيين.
تظل القيادات الجنوبية، رغم كل ما تتعرض له من ضغوط إقصائية، رمزًا للصمود والتمسك بالحقوق التاريخية، حيث يعي الجميع أن الهدف من هذه الحملة هو تفتيت البيت الجنوبي من الداخل، وهو ما يقابله وعي متزايد بضرورة رص الصفوف وتفويت الفرصة على كل من يتربص بمستقبل الجنوب وتطلعات شعبه في الحرية والسيادة.
إن محاولات تجريف الكفاءات الجنوبية هي في الحقيقة اعتراف ضمني بقوة هذه الكوادر وقدرتها على قيادة مرحلة الاستقلال، حيث يخشى أصحاب المخططات الإقصائية من وجود أصوات قوية في مراكز القرار لا تساوم على الثوابت، وهو ما يجعل المواجهة بين المشروع الجنوبي والمشاريع الهادفة لتدميره صراعًا وجوديًا لا مجال فيه للتراجع.
ختامًا، إن أي محاولة لفرض واقع جديد من خلال إقصاء الكفاءات الوطنية ستواجه برفض شعبي واسع، فالتاريخ علمنا أن الشعوب التي قدمت تضحيات جسيمة في سبيل حريتها لا يمكن أن ترضخ مجددًا لسياسات النهب والتهميش، وأن الدولة الجنوبية القادمة ستكون هي المظلة التي تستوعب كافة أبنائها المخلصين بعيدًا عن صراعات الماضي ومخططات الإقصاء.

















