في مشهد جماهيري واسع عكس حجم الحضور الشعبي في محافظات الجنوب، شهدت العاصمة عدن وعدد من مدن الجنوب، وفي مقدمتها حضرموت وسقطرى، يوم الثلاثاء الماضي، فعاليات مليونية السابع من يوليو تحت شعار “الحسم والتصعيد ورفض الوصاية”، حيث احتشد مئات الآلاف في الساحات، مجددين تمسكهم بخياراتهم السياسية، ومؤكدين استمرار الحراك الشعبي السلمي حتى تحقيق أهدافهم المعلنة.
وامتلأت ساحات التجمع بالأعلام الجنوبية واللافتات والهتافات، في مشهد اعتبره مراقبون رسالة سياسية واضحة تعكس استمرار الحضور الشعبي في الشارع الجنوبي، وتؤكد أن قضية الجنوب ما تزال تحتفظ بزخمها الجماهيري رغم المتغيرات السياسية.
وجدد المشاركون، وفق البيان الختامي للفعالية، رفضهم لما وصفوه بالوصاية السعودية على الجنوب، مؤكدين التزامهم بالإعلان الدستوري الصادر خلال عام 2026، ومجددين تفويضهم للرئيس القائد عيدروس قاسم الزبيدي لقيادة المرحلة المقبلة، باعتباره ممثلًا للمشروع السياسي الذي يتبناه المشاركون.
كما حملت المليونية رسائل تتعلق بالحريات العامة، إذ أدان المشاركون ما وصفوه بالإجراءات والقيود المفروضة على الإعلاميين والنشطاء الجنوبيين، معتبرين أنها تستهدف تقييد حرية الرأي والتعبير، ومؤكدين تمسكهم بحق المواطنين في التعبير السلمي وفق الأطر القانونية.
ولم تغب القضايا المعيشية عن المشهد، حيث طالب المشاركون بسرعة معالجة التدهور الاقتصادي، وتحسين الخدمات الأساسية، وصرف رواتب الموظفين بصورة منتظمة، والعمل على الحد من ارتفاع أسعار السلع، في ظل ما وصفوه بالأوضاع الإنسانية الصعبة التي تعيشها المحافظات الجنوبية.
المكلا.. الحشود تتحدى الرصاص وتصل إلى ساحات التظاهر
وفي محافظة حضرموت، اكتسبت الفعاليات طابعًا مختلفًا بعد أن سبقتها إجراءات أمنية مشددة، حيث شهدت مدينة المكلا انتشارًا عسكريًا واسعًا وإغلاقًا لعدد من الطرق المؤدية إلى موقع الفعالية، في محاولة لمنع المحتجين من الوصول إلى الساحة المخصصة للتجمع.
وبحسب مصادر ميدانية، استخدمت القوات الأمنية الرصاص الحي لتفريق المتظاهرين، ما أدى إلى وقوع إصابات في صفوف المحتجين، إلا أن تلك الإجراءات لم تمنع آلاف المشاركين من الوصول إلى ساحة حي الشهيد خالد، فيما تمكنت حشود أخرى قادمة من أحياء الشرج والديس وفوة والمديريات الغربية من تنظيم مسيرة جماهيرية فوق الجسر البحري.
ورفع المشاركون أعلام الجنوب وصور الرئيس القائد عيدروس الزبيدي، مرددين شعارات أكدت رفضهم لما وصفوه بمحاولات فرض الوصاية وإعادة إنتاج هيمنة عام 1994، كما نددوا بتردي الخدمات والأوضاع المعيشية، وحملوا السلطات المحلية والحكومة مسؤولية استمرار الأزمات.
وأكد القائم بأعمال رئيس الهيئة التنفيذية للقيادة المحلية للمجلس الانتقالي الجنوبي بمحافظة حضرموت، علي الجفري، في كلمة ألقاها أمام الحشود، أن السابع من يوليو يمثل محطة نضالية مفصلية في تاريخ الجنوب، معتبراً أن الحضور الجماهيري الكبير يعكس استمرار الالتفاف الشعبي حول المجلس الانتقالي ورفض أي مشاريع تستهدف تمثيله السياسي، كما انتقد تدهور الخدمات الأساسية، وفي مقدمتها الكهرباء، محملاً الحكومة والسلطة المحلية مسؤولية استمرار الأزمات.
تحذير سياسي من مشاريع موازية
وفي السياق ذاته، حذر الناشط السياسي الجنوبي عادل العبيدي من ما وصفه بمحاولات إنشاء “مجالس تنسيقية” في المحافظات الجنوبية، معتبراً أنها مشاريع سياسية تهدف إلى خلق كيانات موازية للمجلس الانتقالي الجنوبي وإضعاف تمثيله السياسي.
وقال العبيدي إن هذه التشكيلات تُقدَّم تحت عناوين مجتمعية، بينما تحمل أهدافًا سياسية تستهدف، بحسب تعبيره، تفتيت الموقف الجنوبي وإيجاد بدائل تمثيلية، داعيًا أبناء الجنوب إلى اليقظة وعدم الانجرار وراء تلك المشاريع، ومؤكدًا أن وحدة الموقف الشعبي تمثل العامل الأهم في مواجهة أي محاولات لإعادة تشكيل المشهد السياسي الجنوبي.
رسائل من خارج الساحات
وتزامنًا مع الحشود الجماهيرية، علّق الكاتب والصحفي صلاح بن لغبر على المشهد في منشور عبر صفحته على منصة “ميتا”، معتبرًا أن ما شهدته الساحات يعكس صلابة الشارع الجنوبي، رغم ارتفاع درجات الحرارة والظروف الصعبة، وقال إن الجماهير خرجت من المهرة إلى عدن وحضرموت لتؤكد رفضها للوصاية، مضيفًا أن إرادة الشعوب لا يمكن كسرها بشراء الولاءات أو صناعة كيانات بديلة، وأن الجنوب ما يزال متمسكًا بقضيته وخياراته السياسية.
رسالة سياسية تتجاوز الساحات
ويرى متابعون أن مليونية السابع من يوليو لم تكن مجرد فعالية جماهيرية لإحياء ذكرى حرب 1994، بل حملت رسائل سياسية متعددة الاتجاهات، أبرزها التأكيد على استمرار الحضور الشعبي للقضية الجنوبية، ورفض أي ترتيبات أو مشاريع تُفرض خارج الإرادة الشعبية، إلى جانب التمسك بالتمثيل السياسي الذي يعتبره المشاركون معبرًا عن تطلعاتهم.
كما عكست الأحداث التي شهدتها المكلا، وما رافقها من إجراءات أمنية ومواجهات مع المتظاهرين، حجم التوتر السياسي القائم، وأظهرت أن مسألة التمثيل والوصاية ما تزال في صدارة المشهد الجنوبي، في وقت يؤكد فيه المشاركون أن تحركاتهم ستستمر بصورة سلمية حتى تحقيق المطالب التي يرفعونها.
واختتم منظمو الفعالية بيانهم بالتأكيد على مواصلة الحراك الشعبي خلال المرحلة المقبلة، داعين إلى الاستجابة لما وصفوه بالإرادة الشعبية، ومشددين على أن الساحات ستظل مفتوحة أمام مختلف أشكال التعبير السلمي حتى تحقيق الأهداف التي أعلنوا عنها.
















