يتصاعد الخلاف داخل ما يُعرف بـ«جبهة لندن» التابعة لجماعة الإخوان المسلمين بشأن مستقبل المكتب السياسي للجماعة، وسط صراع على النفوذ والصلاحيات وتوزيع الأدوار بين القيادات، بالتزامن مع ضغوط خارجية متزايدة تشمل عقوبات أمريكية وملاحقات دولية.
ولم يعد الخلاف مقتصرًا على هوية رئيس المكتب السياسي، بل امتد إلى طبيعة دوره وحدود صلاحياته، وما إذا كان سيبقى جهة تنفيذية تتولى إدارة الملف السياسي، أم يتحول إلى إطار استشاري محدود التأثير.
وبحسب مصادر، فإن حلمي الجزار، الذي تولى رئاسة المكتب منذ عام 2019، تخلى عن المنصب رسميًا بعد تكليفه بمهام أخرى داخل الهيئة الإدارية العليا وتصعيده إلى المكتب العالمي للتنظيم الدولي. إلا أن المصادر تشير إلى أنه ظل محتفظًا بنفوذ مؤثر في إدارة الملف السياسي، في وقت جرى فيه الدفع بالقيادي عمار فايد لتولي رئاسة المكتب.
وجاء اختيار فايد، وفق المصادر ذاتها، في إطار محاولة لاستقطاب العناصر الشابة داخل التنظيم، بعد سنوات من الخلافات وتعثر محاولات سابقة لإعادة هذه الفئة إلى صفوف القيادة. غير أن الترتيبات الجديدة سرعان ما اصطدمت بخلاف حول الصلاحيات، بعدما سعى فايد إلى امتلاك صلاحيات تنفيذية وتنظيمية كاملة، بدلًا من الاكتفاء بدور شكلي، بينما بقيت إدارة الملف السياسي مرتبطة بالجزار.
وامتد الخلاف إلى تشكيل المكتب نفسه، إذ حاول فايد الدفع بعدد من القيادات الشابة، من بينهم عبد الوهاب محمد ومحمود مبارك وأحمد ماهر، إلى جانب الاستعانة بعناصر لديها خلفية أكاديمية في العلوم السياسية والعلاقات الدولية، في محاولة لإضفاء طابع شبابي على هيكل المكتب.
لكن هذه التغييرات لم تنه الأزمة، إذ تشير المصادر إلى سحب بعض الصلاحيات التي حصل عليها فايد، مقابل تحرك الجزار لإعادة شخصيات محسوبة عليه إلى مواقع مؤثرة داخل المكتب.
ولم يقتصر التجاذب على القيادات المصرية، حيث دخل التنظيم الدولي على خط الأزمة من خلال مقترح لتوسيع عضوية المكتب السياسي وضم ممثلين عن فروع الإخوان في عدد من الدول، بما يمنحه طابعًا أوسع من الإطار المصري. إلا أن هذا المقترح لم يحسم الخلاف حتى الآن.
وتأتي هذه التطورات في ظل ظروف حساسة يمر بها التنظيم، مع اقتراب انتهاء فترة تولي صلاح عبد الحق منصب القائم بأعمال المرشد في ديسمبر المقبل، بعدما تولى المسؤولية خلفًا لإبراهيم منير في أواخر عام 2022.
كما زادت العقوبات الأمريكية المفروضة على شخصيات مرتبطة بالتنظيم من الضغوط على قياداته، بعدما أدرجت واشنطن الأمين العام للتنظيم الدولي، محمود الإبياري، على قوائم العقوبات المرتبطة بالإرهاب، وسط مخاوف من إمكانية اتخاذ إجراءات مماثلة بحق قيادات أخرى.
وتعكس أزمة المكتب السياسي، وفق المعطيات المطروحة، خلافًا أوسع داخل التنظيم حول آليات اتخاذ القرار ومراكز النفوذ، إذ تزامنت الضغوط الخارجية مع صراعات داخلية على المواقع والصلاحيات. كما لم تنجح محاولات استقطاب القيادات الشابة أو توسيع تركيبة المكتب في إنهاء حالة التجاذب.
وبذلك، تبدو معركة المكتب السياسي أبعد من كونها خلافًا إداريًا، لتتحول إلى اختبار لقدرة «جبهة لندن» على الحفاظ على تماسكها وإدارة نفوذها في ظل تعدد مراكز القرار وتزايد الضغوط المحيطة بها.
















