يشهد الجنوب العربي في هذه المرحلة لحظة فارقة تتجاوز حدود التظاهر المطلبي إلى مستوى التلاحم الشعبي الشامل؛ فمن حضرموت إلى المهرة، ومن العاصمة عدن إلى أبين وشبوة ولحج والضالع، خرج الجنوبيون بموقف واحد، في مشهد شعبي متماسك كسر رهانات قوى الهيمنة والوصاية التي راهنت طويلاً على تفكيك النسيج الجنوبي وإدخاله في صراعات بينية تستنزف إرادته وتشتت بوصلته.
هذا التلاحم الشعبي الجنوبي العربي لم يكن وليد اللحظة، بل هو نتاج تراكم وعي وطني وإدراك عميق بأن المشاريع التي تُدار من خارج الجغرافيا الجنوبية تستهدف وجود الجنوب وقضيته العادلة، وأن وحدة الصف الجنوبي أصبحت السلاح الأمضى في مواجهة مشاريع الهيمنة وإرباك حسابات المتدخلين وإفشال مخططات فرض الوصاية على القرار السياسي والعسكري والاقتصادي للجنوب.
- تجاوزات الوصاية السعودية تفاقم الغضب .. واحتقان متصاعد
تفاقمت وتيرة الغضب الشعبي في الجنوب العربي جراء ما يصفه الشارع الجنوبي بتجاوزات المملكة العربية السعودية لدورها كقائدة للتحالف، وتحولها إلى طرف يمارس الوصاية ويستهدف الجنوب وقواته المسلحة، في وقت تتزايد فيه الضغوط والأزمات التي يعيشها المواطن الجنوبي على مختلف المستويات.
ويرى مراقبون أن سياسات الرياض الأخيرة، من التضييق على القيادات الجنوبية، ومحاولات تفكيك المؤسسة العسكرية الجنوبية، وتجميد رواتب القوات، ومنع تصدير ثروات الجنوب والتحكم بقراره السياسي والاقتصادي، قد فجرت احتقاناً متصاعداً لم يعد بالإمكان احتواؤه بالمسكنات أو البيانات والمواقف المؤقتة.
فالشارع الجنوبي بات يقرأ هذه الممارسات باعتبارها استهدافاً مباشراً لمكتسبات الجنوب، بل ويرى فيها “هدية مجانية للحوثيين”، في ظل إضعاف طرف جنوبي كان خلال السنوات الماضية في مقدمة القوى التي واجهت المشروع الحوثي الإيراني ودافعت عن الجنوب والمنطقة في واحدة من أكثر المعارك العربية حساسية وخطورة.
وفي ظل هذا الاحتقان، لم تعد القضية الجنوبية تُطرح باعتبارها مجرد ملف سياسي قابل للتأجيل أو إعادة التوصيف، بل باعتبارها قضية شعب يرى أن جوهرها يرتبط بحقه في تقرير خياراته ومستقبله.
وفي هذا السياق، كتب الأستاذ فضل الجعدي، ضمن الوفد الجنوبي المحتجز في الرياض، على صفحته في “فيسبوك”، مؤكداً أن القضية الجنوبية “لا تحتاج إلى توصيف، بل استحقاق حل عادل”، مشيراً إلى أنها قضية عُرّفت بالشهداء والتضحيات وحق الشعب في تقرير خياراته.
وشدد الجعدي على أن من كانوا جزءاً من نشوء القضية “لا يمكنهم أبداً أن يكونوا جزءاً من حلها”، مهما جُمّل خطابهم، مؤكداً أن أي حديث عن الحل يظل بلا قيمة أو ثقة ما لم يسبقه اعتراف بأسباب القضية واعتذار لشعب الجنوب.
وتعكس هذه الرسالة، الصادرة من أحد أعضاء الوفد الجنوبي الموجود في الرياض، عمق الفجوة القائمة حول طبيعة القضية الجنوبية وشروط حلها، وتؤكد أن أي مسار سياسي لا يلامس جذور القضية ولا يعترف بتضحيات شعب الجنوب وحقه في تقرير خياراته سيظل عاجزاً عن إنتاج تسوية تحظى بالقبول الشعبي.
- هل حان وقت إعادة تقييم التحالفات والبوصلة الاستراتيجية؟
فبعد سنوات من الشراكة التي قدم فيها الجنوبيون آلاف الشهداء في معركة العرب المصيرية ضد المشروع الحوثي الإيراني، وجد الجنوبي نفسه أمام خذلان سعودي واضح. وهذا الخذلان، وفقاً لقراءة جنوبية واسعة، لم يؤدِ إلى إضعاف الجنوب وحده، بل شجع الحوثي على التمدد والمناورة، في وقت تتماهى فيه المملكة اليوم، في نظر الجنوبيين، مع المليشيات الحوثية عبر مسار تفاوضي ثنائي يتجاوز تضحيات الجنوب ويقفز فوق قضيته وإرادته السياسية.
ويذهب الناشط الجنوبي وضاح ناشر إلى قراءة هذه التحولات من زاوية مختلفة، إذ يرى أن الرياض اختارت خلال الأشهر الماضية الرهان على مسار التفاهمات مع إيران لاحتواء الحوثيين، على حساب حلفائها الذين وقفوا معها خلال أصعب مراحل الحرب.
وفي مقال نشره عبر وسائل التواصل الاجتماعي بعنوان “من الوعود إلى الإخفاق.. اكثر من سبعة أشهر كشفت عجز الرياض”، اعتبر ناشر أن هذا الخيار نقل الثقة من حليف “أثبت التزامه بالفعل” إلى خصم لم يغيّر سلوكه إلا وفق مصالحه المرحلية، محذراً من خطورة إضعاف الحلفاء قبل التأكد من تغير سلوك الخصم.
ويرى ناشر أن الرهان على الخصوم قبل اختبار التزاماتهم “ليس سياسة حصيفة، بل مخاطرة استراتيجية”، مشيراً إلى أن استمرار هذا المسار نحو الفشل قد لا يعني مواجهة خصم أكثر قوة فحسب، وإنما خسارة حلفاء كان يمكن الاعتماد عليهم في فرض توازن جديد.
ويختصر ناشر جوهر الأزمة بالقول إن التحالفات تُبنى على الثقة، وإن الثقة حين تُكسر لا يمكن ترميمها بالوعود وحدها، وهو ما يفتح الباب أمام سؤال أوسع حول مستقبل العلاقة بين الجنوب والقوى الإقليمية التي كانت حاضرة في تفاصيل المشهد الجنوبي خلال السنوات الماضية.
إن استمرار تجريف المؤسسة العسكرية الجنوبية، التي كانت صمام أمان الجنوب والمنطقة، لم تتضح خطورته إلا مع هجمات الحوثي الأخيرة التي استهدفت العمق الجنوبي، لتؤكد أن إضعاف الجنوب لا يمكن فصله عن إضعاف منظومة الأمن القومي العربي برمتها، وأن أي ترتيبات تتجاوز القوى التي دفعت أثمان المواجهة على الأرض ستظل عاجزة عن صناعة أمن واستقرار حقيقيين.
العصيان المدني.. خيار استراتيجي لحماية الثروات
أمام هذا الواقع، برز العصيان المدني والتصعيد السلمي كخيار استراتيجي مشروع لحماية ثروات الجنوب وصون حقوق شعبه، في رسالة تعكس انتقال الشارع الجنوبي من مرحلة التعبير عن الغضب إلى مرحلة أكثر تنظيماً في الدفاع عن مصالحه وحقوقه.
لم يعد التصعيد السلمي مجرد وسيلة احتجاج، بل تحول إلى أداة لتفكيك مشاريع الوصاية وإرباك حسابات المتربصين. فمن خلال الإغلاق السلمي للمؤسسات، ووقف تصدير الثروات التي تُنهب دون أن يعود ريعها للشعب، يوجه الجنوبيون رسالة واضحة للسعودية والعالم: صلابة الإرادة الشعبية قادرة على إسقاط التهديدات الوجودية، وأن عزيمة الجنوبيين كفيلة بإحباط مؤامرات القوى المعادية.
وهنا لا يقتصر الأمر على احتجاج عابر أو موقف مؤقت، وإنما يتصل بجوهر الصراع حول من يمتلك القرار في أرض الجنوب، ومن يحدد مصير ثرواته، ومن يملك حق رسم مستقبله السياسي. ولذلك فإن اتساع دائرة التلاحم الشعبي من محافظة إلى أخرى يعكس أن القضية تجاوزت حدود المناطق والمكونات، وأصبحت مرتبطة بإرادة شعب يرى أن الحفاظ على حقوقه وثرواته وقراره لم يعد يحتمل التأجيل.
حتمية استعادة دولة الجنوب.. مصير محسوم
يؤكد الحراك الشعبي اليوم حقيقة راسخة: حتمية استعادة دولة الجنوب العربي، وأن الطريق إلى استعادة الدولة هو مصير محسوم ومسار لا يخضع للمساومة.
فالتصعيد السلمي ليس فوضى، بل هو صمام أمان لقضية الشعب العادلة، وضمانة لعدم انزلاق الأمور نحو خيارات أخرى. والجغرافيا تحسم، والسياسة يجب أن تعترف؛ فلا تسوية يمكن أن تُبنى فوق إرادة الميدان، ولا سلام مستدام يمكن أن يمر عبر تجاوز إرادة شعب الجنوب العربي أو القفز فوق تطلعاته وحقه في تقرير مستقبله.
والجنوب العربي اليوم، كما يظهر في كل ساحات الاعتصام، شعب يزداد تمسكاً بموقفه وثباتاً على خياراته، في مشهد بات يربك حسابات المتربصين ويكشف أن محاولات تفكيك الصف الجنوبي لم تعد تجد الأرض التي كانت تراهن عليها.
لقد أثبتت الأيام أن ما يجمع أبناء الجنوب أكبر من محاولات التفريق، وأن حضرموت والمهرة وعدن وأبين وشبوة ولحج والضالع، رغم اختلاف الظروف والتفاصيل، تقف عند جوهر واحد: حماية الأرض والثروة والقرار، ورفض أن يُرسم مستقبل الجنوب من خارج حدوده.
ومن هنا، فإن الرسالة التي يبعثها الجنوب اليوم ليست موجهة إلى طرف بعينه فحسب، وإنما إلى كل من راهن على تراجع إرادته أو تفكك صفه: لن نعود إلى باب اليمن، ولن نقبل بوصاية جديدة، ولن تكون ثروات الجنوب ثمناً لتسويات تُفرض على حساب شعبه.
إن التلاحم الشعبي الذي يتسع اليوم لم يعد مجرد رد فعل على واقع سياسي أو اقتصادي عابر، بل أصبح تعبيراً عن إرادة متراكمة ترى أن استعادة الدولة ليست شعاراً مؤجلاً، وإنما مشروعاً يتقدم بإرادة شعبية متماسكة. وكلما اتسع هذا التلاحم، تراجعت قدرة مشاريع الهيمنة على المناورة، وأصبح تجاهل إرادة الجنوب أكثر كلفة من الاعتراف بها.
وبينما تتسع دائرة الاحتجاج الشعبي وتتقاطع معها أصوات سياسية وإعلامية وناشطة تؤكد عمق الأزمة، يبدو أن الجنوب دخل مرحلة جديدة لم يعد فيها السؤال حول ما إذا كانت قضيته موجودة، بل حول كيفية التعامل مع استحقاقاتها. فالقضية التي صمدت أمام سنوات الحرب والتضحيات، واستمرت حاضرة رغم محاولات الاحتواء والتفكيك، تفرض نفسها اليوم كحقيقة سياسية وشعبية لا يمكن تجاوزها.
وإذا كان التلاحم الجنوبي قد كسر رهانات تفكيك الصف، فإن المرحلة المقبلة ستضع جميع الأطراف أمام اختبار أكثر وضوحاً: إما التعامل مع إرادة الجنوب باعتبارها طرفاً أصيلاً في أي تسوية، أو الاستمرار في إدارة الأزمة على حساب شعب أثبت أن إرادته، حين تتوحد، قادرة على تغيير موازين المشهد.

















