لا تبدو الاستراتيجية الأميركية تجاه إيران في مرحلتها الحالية قائمة على إسقاط النظام عبر عملية عسكرية مباشرة فحسب، بل على بناء منظومة ضغط متعددة المسارات تستهدف إضعاف قدرة طهران على تمويل مؤسساتها، وعزلها عن الاقتصاد العالمي، وتشجيع القوى المعارضة في الداخل، وصولًا إلى خلق ظروف يمكن أن تدفع النظام إلى التفكك من داخله.
ويأتي هذا التحول في وقت تدخل فيه المواجهة الأميركية-الإيرانية شهرها السادس، بينما أعلنت إدارة الرئيس دونالد ترامب عن حملة عقوبات جديدة وصفتها بأنها جزء من «أقصى ضغط اقتصادي» على طهران. وقال وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت إن واشنطن تريد استخدام أدوات مالية وتجارية واسعة لعزل النظام الإيراني ودفعه نحو الانهيار.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه هو: هل تسعى واشنطن فعلًا إلى إسقاط النظام من الداخل، أم إلى إجباره على تقديم تنازلات استراتيجية من دون خوض حرب جديدة طويلة؟
الاقتصاد أولًا.. خنق مصادر القوة
في قلب الاستراتيجية الأميركية الجديدة يقف الاقتصاد.
فواشنطن وسعت العقوبات لتشمل عشرات الأفراد والكيانات والسفن المرتبطة بالاقتصاد الإيراني، مع محاولة استهداف شبكات النفط والتمويل والتجارة التي تسمح لطهران بالوصول إلى العملات الأجنبية والأسواق الدولية.
وفي 25 أغسطس/آب، قالت إيران إنها ستقاوم العقوبات الأميركية الجديدة، بينما أشارت تقارير إلى أن الإجراءات تستهدف نحو 60 شخصًا وكيانًا وسفينة، في إطار محاولة لتقليص موارد النظام من النفط والتجارة الخارجية.
وتختلف هذه المقاربة عن الضربات العسكرية المباشرة: فبدلًا من تدمير مؤسسة حكومية بصاروخ، تحاول واشنطن جعل المؤسسة نفسها أكثر صعوبة في التمويل والعمل.
والهدف النهائي، وفق الخطاب الأميركي، هو دفع القيادة الإيرانية إلى مواجهة خيارين: تغيير سلوكها أو تحمل عزلة اقتصادية متزايدة.
«يوم الإنزال الاقتصادي»
أطلق بيسنت على الحملة الجديدة وصف «يوم الإنزال الاقتصادي»، في استعارة تعكس حجم الرهان الأميركي على العقوبات.
وتقول الإدارة الأميركية إن المرحلة المقبلة ستتجاوز العقوبات التقليدية إلى الضغط على الدول والشركات التي تواصل التعامل مع إيران، خصوصًا في قطاعات النفط والتمويل والشحن.
وهذا يعني أن واشنطن لا تستهدف طهران وحدها، وإنما تحاول تضييق المسارات التي تستخدمها إيران للالتفاف على العقوبات.
غير أن هذه السياسة تواجه عقبة أساسية: الصين لا تزال من أهم مشتري النفط الإيراني، كما أن طهران طورت خلال السنوات الماضية شبكات معقدة لتجاوز العقوبات عبر وسطاء ومراكز تجارية إقليمية. وتشير تحليلات اقتصادية إلى أن نجاح الحملة الجديدة سيتوقف بدرجة كبيرة على مدى استعداد بكين وشركاء إيران الآخرين للامتثال للضغط الأميركي.
الضغط على النظام.. لا على المجتمع فقط
تقدم واشنطن حملتها باعتبارها استهدافًا للنظام ومصادر تمويله، لكن العقوبات الواسعة تحمل في الوقت نفسه آثارًا مباشرة على الاقتصاد والمجتمع الإيراني.
فارتفاع الأسعار وتراجع العملة وتراجع القدرة على الاستيراد يمكن أن يزيد الاستياء الشعبي، وهو ما قد يتحول سياسيًا إلى عامل ضغط على السلطة.
وهنا تظهر الفكرة الأساسية في استراتيجية «التفكيك من الداخل»: ليس المطلوب أن تسقط الحكومة بضربة واحدة، وإنما أن تتراكم الأزمات بحيث تصبح قدرة النظام على إدارة المجتمع أقل من قدرته على السيطرة عليه.
وقد سبق أن ربط مسؤولون ومحللون أميركيون بين الضغط الاقتصادي وإضعاف قدرة المؤسسات الإيرانية على العمل، لكن التجربة السابقة للعقوبات تظهر أن الأزمات الاقتصادية لا تؤدي تلقائيًا إلى تغيير سياسي.
الشارع الإيراني.. الحلقة الأكثر حساسية
تكتسب الاحتجاجات أهمية خاصة في الحسابات الأميركية.
فإيران شهدت موجات احتجاج واسعة، وكانت الاضطرابات التي اندلعت أواخر 2025 ومطلع 2026 من أكبر التحديات الداخلية التي واجهها النظام منذ سنوات، قبل أن تقمعها السلطات بالقوة.
وتشير تحليلات أميركية إلى أن النظام الإيراني ظل، رغم اتساع الاحتجاجات، محتفظًا بقدرة كبيرة على استخدام الأجهزة الأمنية ومنع تحول الاضطرابات إلى حركة قادرة على إسقاط السلطة.
ولهذا، فإن أي استراتيجية تعتمد على «السقوط من الداخل» تواجه سؤالًا جوهريًا: هل يمكن تحويل الغضب الشعبي إلى قوة سياسية منظمة، أم أن أجهزة الأمن ستتمكن مجددًا من احتواء الاحتجاجات؟
ضرب أدوات القمع
تسعى الاستراتيجية الأميركية كذلك إلى إضعاف المؤسسات التي يعتمد عليها النظام في الحفاظ على قبضته الداخلية، وعلى رأسها الحرس الثوري والأجهزة الأمنية.
وتدعو بعض التصورات المطروحة في واشنطن إلى الجمع بين العقوبات والضغط الدبلوماسي والقدرات السيبرانية وغيرها من الأدوات بهدف تقليص قدرة النظام على قمع المعارضة.
لكن هذا المسار يظل شديد الحساسية؛ لأن إضعاف أجهزة الأمن لا يعني بالضرورة أن المجتمع سينتقل تلقائيًا إلى نظام ديمقراطي. فقد يؤدي انهيار مؤسسات القوة إلى فراغ أمني، أو صراع بين مراكز السلطة، أو ظهور قوى مسلحة عرب تايمافسة.
المعارضة.. البديل الجاهز
أي استراتيجية لإسقاط نظام سياسي تحتاج إلى إجابة عن سؤال اليوم التالي.
ولهذا برزت خلال الأشهر الماضية شخصيات وقوى معارضة إيرانية تقدم نفسها باعتبارها بديلًا محتملًا للنظام الحالي، وفي مقدمتها رضا بهلوي، نجل شاه إيران السابق.
وقد طرح أنصاره خططًا لمرحلة انتقالية تتضمن إعادة بناء المؤسسات وتثبيت الاقتصاد خلال الأشهر الأولى بعد سقوط الجمهورية الإسلامية. لكن حجم التأييد الداخلي الحقيقي لهذه المشاريع لا يزال موضع جدل، كما أن المجتمع الإيراني يضم تيارات سياسية وقومية وفكرية شديدة التنوع.
وهذا يفسر أيضًا تحفظ واشنطن في بعض المراحل عن إعلان دعم شخصية واحدة باعتبارها البديل النهائي للنظام.
لماذا «السقوط بلا رصاص»؟
تكمن جاذبية هذا السيناريو بالنسبة إلى واشنطن في أنه أقل تكلفة من احتلال إيران أو خوض حرب برية واسعة.
فبدلًا من إرسال قوات أميركية للسيطرة على المدن والمؤسسات، يمكن استخدام العقوبات والعزلة والضغط السياسي والاتصالات مع المعارضة لتغيير ميزان القوى داخل البلاد.
لكن «السقوط بلا رصاص» لا يعني بالضرورة أن الطريق سيكون سلميًا. فإذا وصل النظام إلى مرحلة يشعر فيها بأن بقاءه مهدد، فقد يلجأ إلى مزيد من القمع، بينما قد تتحول الاحتجاجات إلى مواجهات عنيفة.
كما أن تجربة الشرق الأوسط تظهر أن إسقاط النظام أسهل كثيرًا من بناء نظام بديل مستقر.
واشنطن بين تغيير النظام وتغيير السلوك
رغم الحديث المتزايد عن انهيار النظام، لا تزال هناك قراءات داخل الولايات المتحدة ترى أن الهدف الأساسي هو إجبار طهران على تقديم تنازلات استراتيجية.
وتشير تحليلات إلى أن استراتيجية ترامب يمكن فهمها باعتبارها محاولة لإقناع القيادة الإيرانية بأن تكلفة المقاومة أصبحت أكبر من تكلفة التسوية، وليس بالضرورة باعتبارها خطة تفصيلية جاهزة لتنصيب حكومة بديلة.
وهذا التمييز مهم للغاية. فـ«تغيير النظام» يتطلب معرفة من سيحكم إيران بعد سقوط القيادة الحالية، وكيف ستعمل المؤسسات، ومن يسيطر على الجيش والحرس الثوري، وكيف ستدار الحدود والمنشآت النووية والاقتصاد.
أما «تغيير السلوك»، فيمكن تحقيقه من خلال الضغط حتى تقبل القيادة القائمة باتفاق جديد.
الخطر الأكبر.. نجاح الضغط من دون سقوط النظام قد تحقق واشنطن جزءًا من أهدافها














