في قلب نيويورك، وعلى مقربة من مقر الأمم المتحدة، عاد ملف الجنوب العربي ليحتل مساحة بارزة في المشهد الدولي، مع انعقاد الدورة الـ81 للجمعية العامة للأمم المتحدة. فبينما كانت أروقة المنظمة الدولية تشهد اجتماعات مكثفة حول ملفات إقليمية ودولية ساخنة، خرجت أصوات جنوبية إلى الشارع الأمريكي حاملة أعلام الجنوب، ومطالبة باستعادة الدولة الجنوبية المستقلة، في رسالة سياسية واضحة أرادت أن تصل إلى المكان الذي تُناقش فيه قضايا الدول ومستقبلها.
المشهد لم يكن مجرد فعالية للجالية الجنوبية في الخارج؛ فقد جاء في توقيت بالغ الحساسية، وفي ظل عودة التصعيد العسكري على الساحل الغربي وتزايد المخاوف الدولية المرتبطة بأمن البحر الأحمر وباب المندب
مظاهرة نيويورك.. صوت الجنوب في عاصمة القرار الدولي
في 22 سبتمبر، توثقت مظاهرة لأبناء الجنوب في نيويورك، حيث رفع المشاركون أعلام الجنوب وصور الرئيس القائد عيدروس الزبيدي، رئيس المجلس الانتقالي الجنوبي، وطالبوا باستعادة دولة جنوبية مستقلة. وعبر المتظاهرون عن رفضهم لترتيبات سياسية قالوا إنها لا تلبي تطلعات الجنوبيين، منتقدين ما وصفوه بضغوط سياسية وسياسات اقتصادية وخدمية أضرت بالشعب الجنوبي
ورسالتهم كانت حاسمة: لا تسوية بدون استعادة الدولة الجنوبية.
الجنوب يختبر حضوره أمام المجتمع الدولي
على مدى سنوات الحرب، بقيت القضية الجنوبية حاضرة في المشهد السياسي اليمني، لكنها غالبًا ما كانت تتراجع أمام ملفات الحرب والسلام والصراع بين القوى المتعددة. أما وصول الرسالة الجنوبية إلى نيويورك بالتزامن مع اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، فيمنحها مساحة مختلفة من الحضور؛ إذ لم تعد القضية تُطرح فقط في الإطار المحلي أو الإقليمي، وإنما يحاول أنصارها تقديمها باعتبارها قضية دولة وشعب يطالب باستعادة كيانه المستقل.
وهنا تبرز نقطة أساسية: الحضور في نيويورك يكشف أن مسألة استعادة الدولة الجنوبية لا تزال مطروحة في المجال السياسي، وأن هناك طرفًا جنوبيًا يعمل على إبقائها ضمن أي نقاش دولي حول مستقبل المنطقة.
تصعيد عسكري يبرز أهمية الدور الجنوبي
تأتي هذه التطورات السياسية بينما يشهد الملف اليمني تصعيدًا ميدانيًا جديدًا. فقد حذرت الأمم المتحدة في سبتمبر من تصاعد القتال، خصوصًا على الساحل الغربي، ومن انعكاسات التقدم الحوثي باتجاه مناطق استراتيجية قرب باب المندب. وأظهرت التطورات الأخيرة أن الملف اليمني لم يعد منفصلًا عن الحسابات المتعلقة بأمن الملاحة الدولية والطاقة والتوازنات الإقليمية.
في هذا السياق، يرى الجنوبيون ان القضية الجنوبية و استعادة الدولة الجنوبية المستقلة تمثل الضمانة الأفضل لأمن باب المندب والملاحة الدولية، مقارنة بواقع الانقسام الحالي والنفوذ الحوثي المتصاعد.
تصريحات أمريكية تفتح باب النقاش
في واشنطن، دعا تيم ليندركينغ، المبعوث الأمريكي السابق إلى اليمن، في سبتمبر إلى زيادة الاهتمام الأمريكي بالملف اليمني، محذرًا من التطورات العسكرية الأخيرة. وأكد ليندركينغ أن التعامل مع التصعيد يحتاج إلى دعم سياسي وعسكري للأطراف المناهضة للحوثيين، إلى جانب تحرك دبلوماسي منسق.
أهمية حديث ليندركينغ تكمن في عودة النقاش حول مستقبل اليمن إلى مساحة أوسع، حيث تبرز القضية الجنوبية كملف مستقل وأساسي في أي معادلة سياسية وأمنية مقبلة.
المجلس الانتقالي الجنوبي.. من الإعلان الدستوري إلى الحضور الميداني
في يناير، أعلن المجلس الانتقالي الجنوبي عن دستور لـ«دولة الجنوب العربي»، محددًا فترة انتقالية تمتد لعامين تنتهي باستفتاء على تقرير المصير، بالتوازي مع طرح حوار مع الأطراف في الشمال. وقال رئيس المجلس القائد عيدروس الزبيدي إن المجلس قد يتجه إلى إعلان الاستقلال «فورًا» في حال رفض الحوار أو تعرض الجنوب لهجوم عسكري.
وجاء هذا الطرح في أعقاب مواجهات عسكرية في حضرموت، تعرضت خلالها القوات الجنوبية لضربات جوية سعودية وانتهت بانسحابها من مواقعها، إلا أن ذلك لم يُنهِ حضور المجلس وقواته على الأرض. فما تزال القوات المسلحة الجنوبية تمثل قوة عسكرية وأمنية منظمة، ولها نفوذ في عدد من المحافظات والمناطق الجنوبية، إلى جانب استمرار الحضور الشعبي والسياسي للمجلس. ومع تجدد التصعيد الحوثي على الساحل الغربي، يبقى الدور العسكري الجنوبي حاضرًا في الحسابات الأمنية والعسكرية المرتبطة بمواجهة الحوثيين وترتيبات المرحلة المقبلة.
السؤال الحاسم: كيف تُستعاد الدولة الجنوبية.
منذ إعلان الوحدة عام 1990، تغيرت موازين القوى والمؤسسات والتركيبة السياسية والعسكرية بصورة عميقة. وبعد حرب 1994، دخلت العلاقة بين الشمال والجنوب مرحلة أكثر تعقيدًا، قبل أن تتحول القضية الجنوبية خلال السنوات اللاحقة إلى أحد أبرز الملفات السياسية في البلاد.
اليوم، لا يتعلق النقاش بمن يسيطر على هذه المنطقة أو تلك، بل بالسؤال الذي يصعب تجاوزه:
كيف يمكن للشعب الجنوبي استعادة دولته المستقلة في ظل واقع إقليمي ودولي متغير.
بالنسبة للمجلس الانتقالي الجنوبي، استعادة دولة الجنوب تمثل هدفًا سياسيًا معلنًا لا بديل عنه. وفي المقابل، ما تزال الأطراف الدولية تتحدث عن عملية سياسية يحدد الشعب من خلالها مستقبل بلدهم، دون إعلان تبني خيار محدد بشأن شكل الدولة.
وبين الطرحين مساحة واسعة من الملفات التي سيكون من الصعب تجاوزها، من الحدود والثروات والموانئ والمؤسسات المالية، إلى القوات المسلحة والأمن والتمثيل السياسي والعلاقات الخارجية.
من التسوية إلى استعادة الدولة
المسألة الجنوبية لم تعد مجرد بند يمكن تأجيله إلى نهاية المفاوضات. فكلما طال أمد الحرب، ترسخت وقائع سياسية وأمنية ومؤسسية جديدة، وأصبح من الصعب تصور أي مستقبل مستقر دون استعادة الدولة الجنوبية.
ولهذا تبدو الرسالة القادمة من نيويورك واضحة في مضمونها السياسي: الجنوبيون يريدون استعادة دولتهم، لا أن يكونوا موضوعًا يقرر الآخرون مصيره.
وفي المقابل، فإن المجتمع الدولي لا يزال يربط مستقبل البلاد بعملية سياسية شاملة يقودها الشعب، مع دعوات أممية متكررة إلى وقف التصعيد والعودة إلى المفاوضات.
الخلاصة.
ما حدث في نيويورك أعاد طرح القضية الجنوبية إلى الواجهة، وفي توقيت مختلف هذه المرة:
استعادة الدولة الجنوبية المستقلة لم تعد مطلبًا محليًا فقط، بل قضية دولية ترتبط بأمن البحر الأحمر وباب المندب والاستقرار الإقليمي.
ما هو مؤكد أن الحضور الجنوبي في نيويورك، مدعومًا بواقع ميداني وعسكري وسياسي متجذر في الجنوب، يجعل من الصعب على أي مسار مستقبلي أن يتجاهل المطالب الجنوبية باستعادة الدولة.
الجنوب لم يعد ينتظر تسويات جزئية أو حلولًا مؤقتة. الرسالة واضحة: الدولة الجنوبية المستقلة هي الهدف، ولا بديل عنه.
















