لم يصنع الرئيس القائد عيدروس قاسم الزُبيدي حضوره السياسي من فراغ، ولم يتقدم إلى واجهة المشهد الجنوبي عبر بوابة المناصب والصفقات السياسية، بل جاء من قلب المعاناة الجنوبية، ومن مرحلة تاريخية مفصلية أعقبت حرب صيف 1994، حين انقلب نظام صنعاء على أسس الشراكة التي قامت عليها الوحدة، واختار لغة الحرب والغلبة بدل الالتزام بالعهد والاتفاق.
ومنذ تلك اللحظة، لم تعد القضية بالنسبة إلى شعب الجنوب مجرد خلاف على إدارة السلطة، بل أصبحت قضية وطن جرى إخضاعه بالقوة واحتلاله، وشعب وجد نفسه في مواجهة واقع فرضه نظام صنعاء بعقلية المنتصر، متعاملًا مع الجنوب وأرضه وثرواته ومؤسساته باعتبارها غنيمة حرب، لا شريكًا في دولة قامت على اتفاق بين دولتين مستقلتين.
في تلك الظروف الصعبة، تشكلت البدايات الأولى لمسيرة الرئيس القائد عيدروس الزُبيدي، الذي اختار طريق المواجهة مبكرًا، وظل اسمه مرتبطًا بمسار النضال الجنوبي، من حركة تقرير المصير «حتم» وحركة موج إلى معارك الدفاع عن الجنوب، وصولًا إلى تأسيس المجلس الانتقالي الجنوبي وقيادة المشروع السياسي الذي يرفع مطلب استعادة دولة الجنوب.
حرب 1994.. الجريمة التي فجّرت مسار النضال الجنوبي
لم يدخل الجنوب الوحدة في مايو 1990 كي يفقد دولته وهويته وقراره الوطني، بل دخلها على أمل قيام شراكة حقيقية بين دولتين، وبناء تجربة عربية حديثة تقوم على العدالة والمواطنة وتكامل الإمكانات.
كان الجنوب يمتلك تجربة مؤسسية في التعليم والصحة والإدارة، وبنية تحتية ومنشآت صناعية وميناء عدن ومصفاة النفط، فيما كان الشمال يعيش واقعًا سياسيًا واجتماعيًا تتداخل فيه مؤسسات الدولة مع النفوذ القبلي التقليدي ومراكز القوى. وكان الرهان الجنوبي أن تكون الوحدة فرصة لبناء دولة حديثة، لا بوابة لعودة منطق الاستحواذ والغلبة.
لكن نظام صنعاء، بقيادة المخلوع علي صالح عفاش، لم يتعامل مع الوحدة باعتبارها شراكة متكافئة، وفق القراءة الجنوبية لتلك المرحلة. تصاعدت الخلافات، وتعرضت قيادات وكوادر جنوبية للاغتيالات، وتراجعت الثقة بين شريكي الوحدة، حتى جاءت حرب صيف 1994 لتكشف حجم الانهيار الذي وصلت إليه الشراكة.
ورغم توقيع وثيقة العهد والاتفاق في عمّان في فبراير 1994، اندلعت الحرب في مايو، وانتهت بدخول القوات الشمالية عدن في السابع من يوليو. وهكذا حُسم الصراع عسكريًا، لكن تداعياته فتحت جرحًا سياسيًا ووطنيًا لم يلتئم.
وفي الحادي والعشرين من مايو 1994، أعلن الرئيس علي سالم البيض فك الارتباط، بعد أن وصلت المواجهة إلى الحرب، في موقف عبّر عن انهيار مشروع الوحدة بصيغته القائمة، بعدما أصبح الجنوب في مواجهة عسكرية مع النظام الذي دخل معه في اتفاق الوحدة.
ومنذ ذلك الحين، ترسخت لدى شعب الجنوب قناعة بأن نظام صنعاء لم يعد يتعامل معه بوصفه شريكًا، بل بوصفه طرفًا مهزومًا ينبغي إخضاعه. وأصبحت الأرض والثروة والمؤسسات والهوية الجنوبية في قلب صراع طويل، رأى فيه الجنوبيون امتدادًا لسياسة الفيد والاستحواذ والإقصاء.
لم تكن تلك الحرب نهاية القضية الجنوبية، بل كانت بداية مرحلة جديدة من النضال، انتقلت فيها المطالبة باستعادة الدولة من مواقف القيادات السياسية إلى وجدان أجيال متعاقبة من أبناء الجنوب.
الرئيس الزُبيدي.. من قلب المعاناة وُلدت البدايات
في خضم هذه التحولات، اختار الرئيس القائد عيدروس الزُبيدي طريقه مبكرًا. فبعد حرب 1994، لم يتخلَّ عن مشروعه الجنوبي، بل عاد إلى الساحة عام 1996 وأسّس حركة تقرير المصير «حتم» وبعدها حركة “موج”التي تبنّت العمل المسلح ضد قوات نظام صنعاء، مطالبةً باستعادة دولة الجنوب.
وتعرض الزُبيدي للملاحقة، وصدر بحقه حكم غيابي بالإعدام، قبل أن يشمله عفو عام عام 2000. وهذه المحطة ليست تفصيلًا عابرًا في سيرته، بل تمثل إحدى البدايات التي يستند إليها شعب الجنوب في قراءة مسيرته، باعتباره شخصية ارتبط حضورها بالقضية الجنوبية قبل الوصول إلى المناصب والقيادة السياسية.
ففي الوقت الذي كانت فيه آثار الحرب تتسع، وكان الجنوبيون يواجهون تداعيات الإقصاء والتسريح من الوظائف العسكرية والمدنية، ظلت المطالبة باستعادة الدولة تتخذ أشكالًا متعددة، من المقاومة والعمل السياسي إلى الاحتجاجات الشعبية.
ومن هنا، فإن مسيرة الرئيس الزُبيدي لا يمكن فصلها عن مسار شعب الجنوب الذي رفض أن تتحول هزيمة عام 1994 إلى نهاية لتاريخه السياسي، أو أن يصبح واقع ما بعد الحرب قدرًا مفروضًا على الأجيال القادمة.
من المقاومة إلى الحراك الجنوبي.. شعب لم يتخلَّ عن قضيته
لم يستسلم شعب الجنوب لنتائج الحرب، ولم تنجح سنوات الإخضاع والإقصاء في إنهاء تطلعاته الوطنية. فمنذ ما بعد عام 1994، تعددت مراحل النضال، وتراكمت المواقف والاحتجاجات، حتى جاء الحراك الجنوبي السلمي عام 2007 ليعيد القضية الجنوبية إلى الشارع بقوة، عبر مطالب استعادة الحقوق والهوية والدولة.
وكانت احتجاجات العسكريين والمدنيين الذين تعرضوا للتسريح والإقصاء من أبرز المحطات التي وسّعت دائرة الحراك، قبل أن يتحول إلى حركة شعبية ذات حضور واسع، ترفع شعارات فك الارتباط واستعادة دولة الجنوب.
وفي هذه المسيرة، لم تكن القضية حكرًا على قائد أو مكون سياسي واحد؛ فقد حملها الشهداء والجرحى والمعتقلون والمبعدون، وواصلتها أجيال جنوبية رأت أن ما حدث في عام 1994 لا يمكن تجاوزه من دون معالجة جذور المظلومية وتمكين شعب الجنوب من تقرير مستقبله.
وكان الرئيس عيدروس الزُبيدي أحد الوجوه التي ارتبطت بهذا المسار، قبل أن تتغير موازين القوى مع اندلاع الحرب عام 2015، وتدخل القضية الجنوبية مرحلة جديدة من المواجهة والتحولات السياسية والعسكرية.
2015.. محطة مفصلية في مسيرة الرئيس الزُبيدي
مع اجتياح الحوثيين وحلفائهم مناطق جنوبية، برزت المقاومة الجنوبية في معارك الدفاع عن الأرض، وكانت الضالع وعدن من أبرز ساحات المواجهة.
وفي تلك المرحلة، اتخذت مسيرة الرئيس الزُبيدي منعطفًا جديدًا، إذ برز اسمه في سياق المقاومة الجنوبية، ثم تولى منصب محافظ عدن أواخر عام 2015، قبل أن يُقال من منصبه في أبريل 2017.
لكن إقالته لم تكن نهاية حضوره، بل أعقبها إعلان عدن التاريخي في الرابع من مايو 2017، ثم تأسيس المجلس الانتقالي الجنوبي في الحادي عشر من الشهر نفسه، برئاسته.
وبذلك انتقل الزُبيدي إلى مرحلة جديدة من العمل السياسي، أصبح فيها مشروع استعادة دولة الجنوب عنوانًا مركزيًا في نشاط المجلس الانتقالي، الذي أعلن تمثيله لتطلعات الجنوبيين والدفاع عن قضيتهم الوطنية.
الرئيس عيدروس الزُبيدي والمشروع الذي تجاوز حدود الأشخاص
بالنسبة إلى شعب الجنوب، لا تُقرأ مسيرة الزُبيدي بمعزل عن تاريخ القضية التي ارتبط بها، ولا تختصر في المناصب التي شغلها أو التحولات السياسية التي مر بها. فالجذور تعود إلى مرحلة ما بعد حرب 1994، حين بدأت تتشكل ملامح نضال طويل من أجل استعادة القرار الجنوبي، وصولًا إلى الحراك الشعبي، ثم مرحلة المقاومة عام 2015، وما تلاها من تأسيس المجلس الانتقالي.
وفي أبريل 2022، أصبح الزُبيدي عضوًا في مجلس القيادة الرئاسي، في تطور أضاف إلى مسيرته بُعدًا سياسيًا جديدًا، لكنه لم يُنهِ جوهر القضية الجنوبية التي يرفعها المجلس الانتقالي، والمتمثلة في استعادة دولة الجنوب.
فالحقيقة ان ما يمنح هذه المسيرة معناها في الوجدان الجنوبي هو ارتباطها بتاريخ من التضحيات والمواجهات والمطالب الوطنية، وبشعب لم يتخلَّ عن تطلعاته رغم تعاقب المراحل وتبدل الظروف.
من حتم إلى استعادة الدولة.. مسيرة لا تُفهم خارج تاريخ الجنوب
الرئيس القائد عيدروس الزُبيدي ليس اسمًا ظهر مع تأسيس المجلس الانتقالي، ولا قائدًا صنعته مرحلة سياسية عابرة؛ فمسيرته بدأت في زمن كانت فيه القضية الجنوبية تواجه واقعًا شديد التعقيد، واستمرت عبر محطات من المواجهة والعمل السياسي، حتى أصبح في صدارة المشهد الجنوبي.
ومن حرب 1994 التي يعتبرها الجنوبيون لحظة سقوط الشراكة، إلى إعلان فك الارتباط، مرورًا بالحراك السلمي والمقاومة الجنوبية، وصولًا إلى تأسيس المجلس الانتقالي، تتضح ملامح المسار التاريخي الذي تشكلت داخله قيادة الزُبيدي.
لقد دفع شعب الجنوب أثمانًا باهظة في سبيل قضيته، ولم تكن تضحياته مجرد صفحات من الماضي، بل جزءًا من ذاكرته الوطنية وتطلعاته للمستقبل.
الرئيس القائد عيدروس الزُبيدي.. قائد ارتبطت بداياته بمقاومة واقع ما بعد حرب 1994، وصعد عبر محطات النضال الجنوبي، ليصبح أحد أبرز وجوه المشروع السياسي الذي يرفع راية استعادة دولة الجنوب. أما الحكاية الأكبر، فهي حكاية شعب لم يتخلَّ عن أرضه وهويته وقيادته وحقه في تقرير مصيره، مهما طال الطريق.

















