العاصمة عدن/ خاص
أدانت لجنة الحقوق والحريات بمجلس المستشارين في المجلس الانتقالي الجنوبي العربي، بأشد العبارات، الهجوم الصاروخي الذي استهدف تجمعاً لأشخاص في منطقة قعطبة بمحافظة الضالع، يوم الأربعاء 4 نوفمبر 2026م، أثناء ممارستهم أنشطة بدنية وتدريبات للياقة والاصطفاف، وأسفر عن سقوط قتلى وجرحى، بحسب المعلومات والتقارير المنشورة، مؤكدة أن الواقعة تمثل اعتداءً بالغ الخطورة يستدعي التحقق من ملابساتها ومحاسبة المسؤولين عنها.
وحذرت اللجنة، في بيان صادر عنها، من خطورة استغلال الأوضاع الاقتصادية والمعيشية الصعبة التي تمر بها الأسر، واتخاذ الفقر والبطالة والحاجة إلى مصادر الدخل وسيلة لاستقطاب الأطفال والزج بهم في معسكرات التدريب أو تهيئتهم للانخراط في النزاعات المسلحة، مشددة على ضرورة احترام القوانين والمواثيق الدولية التي تكفل حماية المدنيين والطفولة، وعدم إخضاع الحقوق الإنسانية لأي اعتبارات سياسية أو عسكرية.
وأكدت اللجنة أن الحق في الحياة والسلامة الجسدية يمثل أحد أسمى الحقوق الإنسانية والقانونية، وأن مشروعية أي استهداف عسكري لا تتحدد بطبيعة الصراع أو الادعاءات التي تطلقها أطرافه، وإنما بمدى توافقه مع أحكام القانون الدولي الإنساني ومبادئه الملزمة، وفي مقدمتها التمييز بين المدنيين والمقاتلين، ومراعاة قواعد التناسب واتخاذ الاحتياطات اللازمة لحماية الأشخاص المدنيين.
وفي هذا السياق، رفضت اللجنة التوصيفات المتعجلة التي تضع الأشخاص المستهدفين في إطار المنتسبين إلى وحدات قتالية، دون التحقق من حقيقة وضعهم القانوني والعسكري، ومدى استكمال إجراءات انتسابهم وإدماجهم الفعلي في القوات المسلحة، مؤكدة أن تحديد الصفة القانونية للأشخاص يستوجب الاستناد إلى معايير موضوعية وأدلة واضحة، ولا يجوز أن يخضع للتصنيفات الإعلامية أو التقديرات غير المستندة إلى تحقق مستقل.
وأشارت إلى أن الموقع الذي شهد التجمع، وفق المعلومات المتاحة للجنة، لم يكن معسكراً تدريبياً عسكرياً معروفاً أو منشأة معلومة التبعية لقوات مسلحة، الأمر الذي لا يجيز اعتبار طبيعة التجمع أو ممارسة حركات اللياقة البدنية والاصطفاف دليلاً قائماً بذاته على انتساب المشاركين إلى القوات المسلحة أو اكتسابهم صفة المقاتلين، أو تجريدهم من الحماية القانونية المقررة للمدنيين.
وشددت اللجنة على أن التدريبات البدنية والأنشطة الرياضية وحركات الاصطفاف، أو المشاركة في برامج الإعداد الأولي، لا تنشئ بذاتها الصفة القتالية، ولا تسقط الحماية المدنية التي يقررها القانون الدولي، ما لم يثبت اكتساب الأشخاص صفة العضوية الفعلية في القوات المسلحة وفق المعايير القانونية ذات الصلة، مؤكدة أن التوصيفات التي تصدرها أطراف النزاع لا يمكن أن تحل محل التحقق الموضوعي من الوقائع والظروف المحيطة بالاستهداف.
وأضافت أن مبدأ التمييز بين المدنيين والمقاتلين ليس خياراً سياسياً أو مسألة تخضع لتقديرات أطراف الصراع، بل يمثل التزاماً قانونياً جوهرياً لا يجوز الالتفاف عليه أو الانتقاص منه، كما أن وجود أشخاص في محيط عسكري أو تحركهم بصورة جماعية ومنظمة لا يكفي وحده لإثبات اكتسابهم الصفة القتالية، وحتى في الحالات التي يكون فيها الهدف ذا طبيعة عسكرية، تظل الأطراف ملزمة بمراعاة قواعد التناسب واتخاذ جميع الاحتياطات الممكنة لتجنب إلحاق الأذى بالمدنيين.
وفي سياق متصل، وجهت اللجنة تحذيراً حقوقياً وإنسانياً إلى جميع القائمين على منظومات التجنيد والعسكرة بمختلف مستوياتهم، والجهات المشرفة والممولة لها، بما في ذلك اللجنة السعودية، من مغبة استغلال الظروف الاقتصادية والمعيشية القاسية التي يعاني منها السكان، وتحويل الفقر والبطالة واحتياجات الأسر إلى وسائل لاستقطاب الأطفال والزج بهم في معسكرات التدريب أو تهيئتهم للانخراط في القوات المسلحة والنزاعات والعمليات القتالية.
وأكدت أن استغلال حاجة الأسر إلى المال أو المساعدات، وتوظيف الإغراءات المالية لاستدراج القاصرين إلى بيئات التجنيد والعسكرة، يمثلان ممارسات بالغة الخطورة تمس جوهر الحماية القانونية والإنسانية المكفولة للطفولة، وتستوجبان الرقابة والتحقق والمساءلة متى ارتبطتا بالتجنيد المحظور أو استخدام الأطفال في الأعمال العدائية.
وأوضحت اللجنة أن الأطفال ليسوا احتياطياً بشرياً لتعويض النقص في القوى المقاتلة، ولا يجوز تحويل معاناة أسرهم وعوزها الاقتصادي إلى فرصة لاستقطابهم إلى صراعات مسلحة لا يملكون قرار المشاركة فيها، ولا يدركون بصورة كاملة مخاطرها وتداعياتها على حياتهم ومستقبلهم.
وشددت على أن مسؤولية حماية الأطفال لا تقع على جهة واحدة دون غيرها، بل تشمل جميع الأطراف والجهات التي تمارس عمليات التجنيد أو تشرف عليها أو تمولها أو تسهل إجراءاتها، دون استثناء، مطالبةً هذه الجهات، بما فيها اللجنة السعودية، بالإفصاح عن الضوابط والمعايير المعتمدة للتحقق من أعمار المستقطبين، وتوضيح التدابير الرقابية المتخذة لمنع استغلال الظروف الاقتصادية والاجتماعية للأسر في عمليات الاستقطاب والتجنيد.
كما دعت اللجنة إلى اتخاذ إجراءات رقابية حقيقية تضمن عدم تجنيد الأطفال أو إشراكهم في الأعمال العدائية، والتحقيق في أي ممارسات مخالفة، ومساءلة كل من يثبت تورطه في عمليات التجنيد المحظور أو تسهيلها أو تمويلها أو الإشراف عليها، بما يكفل حماية الطفولة وصون حقوقها بعيداً عن حسابات الصراع ومصالح أطرافه.
وجددت اللجنة التأكيد على أن حماية الإنسان وحقوقه لا تقبل الانتقائية، وأن الصفة القانونية للأشخاص لا تحددها رغبات أطراف النزاع أو المسميات التي تطلقها عليهم، كما أن الفقر والحاجة لا يمنحان أي جهة الحق في استغلال الأطفال أو تعريض حياتهم ومستقبلهم للخطر، وأن مقتضيات الحرب لا تبرر انتهاك الكرامة الإنسانية أو تجاوز أحكام القانون الدولي.
واختتمت لجنة الحقوق والحريات بيانها بالتأكيد على أن حماية المدنيين ليست منّة من أطراف النزاع، وأن حماية الأطفال ليست موضع مساومة، وأن الالتزام بالقانون الدولي الإنساني واجب قانوني وأخلاقي لا يتجزأ ولا يقبل الانتقائية، داعيةً إلى احترام الحقوق والحريات، وصون الحق في الحياة والسلامة الجسدية، وضمان المساءلة عن الانتهاكات أياً كانت الجهات المسؤولة عنها.

















