نزار هيثم من الرياض.. حين تتحدث قيود السياسة بلسان الدم، وتنكشف حقيقة العلاقة بين الجنوب والسعودية
عرب تايم – صالح حقروص
ليس مقال نزار هيثم الذي كتبه من العاصمة السعودية الرياض مجرد عتاب سياسي عابر، ولا هو مجرد كلمات غاضبة لشخص شعر بخيبة الأمل من حليف كان يعتقد أنه شريك وأخ. إنه مقال يحمل في طياته رسائل سياسية وإنسانية عميقة، ويكشف حجم الهوة التي اتسعت بين الجنوب والمملكة العربية السعودية، في ظل أحداث تركت جراحاً يصعب تجاوزها بمجرد الخطابات الدبلوماسية أو الاتفاقيات السياسية.
وتكمن أهمية هذا المقال في الظروف التي كُتب فيها؛ فنزار هيثم أحد أعضاء وفد المجلس الانتقالي الجنوبي الذي توجه إلى الرياض مطلع يناير 2026، والذي تم وضع أعضاءه تحت الإقامة الجبرية وقُيّدت حريتهم. ومن هنا، فإن صدور مقال بهذه اللهجة من داخل العاصمة السعودية يحمل دلالة تتجاوز مضمون الكلمات إلى رمزية المكان وظروف الكاتب نفسه.
لكن الرسالة الأكثر إيلاماً في المقال ليست مرتبطة بظروف الوفد وحدها، بل تتصل بذاكرة الدم التي يستحضرها نزار هيثم، وتحديداً القصف الجوي السعودي الذي استهدف القوات المسلحة الجنوبية في محافظتي حضرموت والمهرة، وما رافقه من سقوط قتلى وجرحى في صفوف الجنود الجنوبيين.
هنا تحديداً ينبغي التوقف أمام المقال وقراءته باعتباره شهادة على أزمة ثقة تتجاوز الخلاف السياسي إلى جرح إنساني ووطني عميق.
فالجنوب، وفق الرسالة التي يحملها المقال، لم يعد ينظر إلى المسألة باعتبارها اختلافاً في وجهات النظر مع حليف، بل باعتبارها تجربة مؤلمة جمعت بين الدماء والضغوط السياسية وتراجع الثقة.
عندما يقول نزار هيثم: «وسيأتي يومٌ يدرك فيه كل من قصف أرضنا، وأراق دماء أبنائنا، واغتال أحلام شبابنا»، فإنه لا يتحدث عن خلاف سياسي نظري، بل يستحضر أحداثاً عسكرية يرى أنها أحدثت شرخاً عميقاً في العلاقة مع السعودية.
فالقصف الذي تعرضت له القوات الجنوبية في حضرموت والمهرة وغيرها لم يكن، في الذاكرة الجنوبية، مجرد عملية عسكرية انتهت بانتهاء المواجهات، وإنما حدثاً ترك وراءه قتلى وجرحى وأسرًا فقدت أبناءها ومعيليها، وفتح جرحاً سياسياً وأخلاقياً لا يمكن تجاهله.
ولعل أكثر ما يلفت الانتباه في كلمات نزار هيثم انتقاله من الحديث عن القصف إلى استحضار المأساة الإنسانية التي خلفها، حين يقول:
«كل شهيدٍ ارتقى للجنة، كان وطناً صغيراً في قلب أمّه، ومستقبلاً في عيون أطفاله، وسنداً لزوجته، وحلماً لم يكتمل».
هذه العبارة تختصر المعنى الحقيقي للخسائر البشرية؛ فالشهداء ليسوا أرقاماً في تقارير عسكرية، بل أبناء وأزواج وآباء، لكل واحد منهم عائلة وأحلام وحياة انتهت قبل أوانها.
وعندما يتحدث عن الأمهات اللواتي أبكيْن، والأطفال الذين حُرموا من آبائهم، والبيوت التي انطفأ نورها، فإنه يوجّه رسالة مفادها أن أي تفاهم سياسي لا يستطيع أن يمحو آثار الدماء، وأن أسر الضحايا ليست مطالبة بنسيان مآسيها مقابل تسويات بين القوى السياسية.
وهنا تظهر إحدى أهم دلالات المقال: لا يمكن بناء سلام مستقر على حساب ذاكرة الضحايا، ولا يمكن استعادة الثقة دون معالجة أسباب انهيارها.
أما الرسالة الثانية فتتعلق بظروف أعضاء الوفد الجنوبي في الرياض. فكيف يمكن الحديث عن حوار وشراكة سياسية بينما لا تزال الرواية الجنوبية تتحدث عن تقييد حرية أعضاء الوفد الذي جاء أصلاً للمشاركة في مشاورات سياسية؟
إن وجود نزار هيثم في الرياض وكتابته بهذا المضمون يضع هذه القضية أمام الرأي العام، ويعيد طرح أسئلة تتعلق بحرية الوفد، وحق أعضائه في اتخاذ مواقفهم السياسية، وضمان قدرتهم على العودة إلى وطنهم.
فالضيافة لا ينبغي أن تتحول إلى وسيلة لتقييد الحرية، والحوار لا يمكن أن يكون حقيقياً إذا غابت الضمانات التي تحمي حرية المشاركين فيه.
أما الرسالة الثالثة، فهي رفض تحويل الشراكة مع السعودية إلى وصاية على القرار الجنوبي. فالعلاقة بين الدول والقوى السياسية لا تستقيم بالقوة أو الإملاءات، وإنما تقوم على المصالح المشتركة والاحترام المتبادل والاعتراف بحق كل طرف في تحديد خياراته.
وهذا ما يفسر إصرار الكاتب على أن الجنوب يريد وطناً حراً، مستقلاً بإرادته، كامل السيادة، لا تُفرض عليه وصاية ولا يُصادر قراره.
فالقضية الجنوبية، كما يطرحها المقال، ليست ورقة يمكن استخدامها في التفاهمات الإقليمية، ولا ملفاً يمكن حسمه بعيداً عن إرادة أصحابه، بل قضية ترتبط بتطلعات شعب يطالب باستعادة دولته وسيادته على أرضه بحدود ما قبل 21 مايو 1990م.
وفي المقابل، لا يخلو المقال من رسالة إلى الداخل الجنوبي؛ فهو يدعو إلى عدم التفريط بالتضحيات، وعدم تحويل الخلافات السياسية إلى تنازلات عن الحقوق، مع التأكيد على عدم توريث الكراهية للأجيال القادمة.
وهذه نقطة تستحق التوقف عندها، لأن التمسك بالحقوق لا يعني الدعوة إلى الانتقام، والمطالبة بالعدالة لا تتعارض مع الرغبة في السلام. بل إن السلام الحقيقي هو الذي يعالج المظالم، ويضمن عدم تكرارها، ويحفظ كرامة الضحايا وحقوقهم.
أما السعودية، فإن المقال يضع أمامها سؤالاً جوهرياً: كيف يمكن استعادة ثقة شعب تعرضت قواته للقصف، بينما لا تزال قيادات من وفده السياسي تواجه، قيوداً على حريتها داخل الرياض؟
إن الإجابة عن هذا السؤال لا تكون بالبيانات السياسية أو الدعوات المتكررة إلى الحوار، بل بخطوات عملية تبدأ بتوضيح مصير أعضاء الوفد وضمان حريتهم، والتعامل المسؤول مع آثار العمليات العسكرية في حضرموت والمهرة، واحترام الإرادة السياسية الجنوبية.
فالقوة قد تفرض واقعاً عسكرياً أو سياسياً مؤقتاً، لكنها لا تستطيع وحدها صناعة القبول أو بناء الثقة. والتاريخ يثبت أن العلاقات التي لا تقوم على الاحترام والعدالة تظل عرضة للاهتزاز مهما امتلكت أطرافها من أدوات النفوذ.
إن أخطر ما يكشفه مقال نزار هيثم هو أن الأزمة لم تعد محصورة في خلاف حول ترتيبات سياسية أو انتشار عسكري، بل امتدت إلى جوهر العلاقة نفسها، وإلى مفهوم الأخوّة والشراكة والتحالف.
لقد كان بإمكان العلاقة مع السعودية أن تقوم على قاعدة المصالح المشتركة والاحترام المتبادل، لكن ما يطرحه المقال يعكس شعوراً جنوبياً بأن تلك القاعدة تعرضت لاهتزازات عميقة بفعل ما حدث في حضرموت والمهرة، وما تلا ذلك من أزمة مرتبطة بظروف الوفد الجنوبي في الرياض.
ومن هنا، فإن إعادة بناء جسور الثقة تتطلب أكثر من مجرد الدعوة إلى فتح صفحة جديدة؛ إنها تحتاج إلى الاعتراف بالجراح، وتوضيح الحقائق، وإنصاف المتضررين، واحترام حرية القرار، والتعامل مع القضية الجنوبية باعتبارها قضية شعب لا مجرد ملف سياسي.
فالجنود الذين سقطوا في حضرموت والمهرة لن يعودوا بالاتفاقيات، والأمهات لن تنسى أبناءها بخطابات الاعتذار، والقيادات لا يمكن أن تمارس دورها بحرية إذا كانت إرادتها مقيدة، والشعوب لا تتخلى عن تطلعاتها بمجرد تغير موازين القوة.
وفي تقديري، فإن الرسالة الأعمق التي أراد نزار هيثم إيصالها من الرياض هي أن الأخوّة لا تُفرض، والشراكة لا تعني التبعية، والسلام لا يكون على حساب الحقوق، وأن استعادة الثقة تبدأ من معالجة أسباب فقدانها، لا من مطالبة الطرف المتضرر بنسيان ما حدث.
قد تتغير التحالفات، وقد تتبدل الحسابات السياسية، وقد تفرض الظروف على الأطراف العودة إلى طاولة الحوار، لكن الدماء التي سقطت والحقوق التي يطالب بها أصحابها ستظل حاضرة في أي قراءة جادة لمستقبل العلاقة بين الجنوب والسعودية.
فالسلام الذي لا ينصف الضحايا لا يكتمل، والشراكة التي لا تحترم الإرادة لا تستقيم، والأخوّة التي لا تصون الكرامة تفقد معناها.
وتلك هي الرسالة التي تختصر مقال نزار هيثم: إن الجنوب لا يطلب أخوّة في الخطاب فقط، بل يريد شراكة في الموقف، واحتراماً في التعامل، وعدالة في الحقوق، وسيادة لا تكون محل مساومة.

















