تحليل: الشرعية والحوثيون .. صراع على حكم اليمن وتوافق على رفض استقلال الجنوب
عرب تايم – عقيد / محسن ناجي مسعد.
يمضي الصراع العسكري في اليمن نحو عامه الثاني عشر، بعد جولات متعاقبة من القتال والكر والفر، دون أن يتمكن أيٌّ من طرفيه الرئيسيين، الشرعية والحوثيين، من حسم المعركة عسكريًا أو فرض مشروعه السياسي على الآخر. وما تشهده الجبهات اليوم ليس سوى تكرار لمعارك استنزافية سبق أن خاضتها الأطراف المتحاربة على مدى سنوات، دون تحقيق نتائج حاسمة، الأمر الذي يؤكد أن الحرب دخلت حلقة مفرغة، وأن الرهان على الحسم العسكري لم يعد واقعيًا في ظل المعطيات السياسية والعسكرية والأمنية القائمة.
فبعد قرابة اثني عشر عامًا من الحرب التي استنزفت البلاد ومقدراتها، وألحقت بالشعب اليمني كوارث إنسانية واقتصادية وسياسية جسيمة، بات واضحًا أن استمرار المواجهات لن ينتج سوى المزيد من الخراب، وإعادة تدوير الأزمة، وتبادل المكاسب والخسائر، دون أفق حقيقي لتسوية تنهي الصراع وتعالج جذوره. والأكثر خطورة أن استمرار الحرب بات يوفر مبررات جديدة لإطالة أمدها، بدلًا من امتلاك الإرادة السياسية اللازمة للخروج منها.
لكن المفارقة الأكثر دلالة في المشهد اليمني لا تكمن فقط في عجز الأطراف المتحاربة عن حسم الصراع، بل في أن القوى الشمالية، على اختلاف توجهاتها السياسية والحزبية والقبلية، بما فيها الشرعية والحوثيون، ورغم خلافاتها العميقة التي فجّرت حربًا مدمرة وألحقت باليمنيين مآسي لا حصر لها، تلتقي عند موقف مشترك رافض للمشروع السياسي الجنوبي، ولا يعترف بحق الجنوبيين في استعادة دولتهم وتقرير مستقبلهم السياسي، رغم التضحيات الجسيمة التي قدموها دفاعًا عن حقهم في الحرية والاستقلال، بعد تجربة وحدة انتهت إلى حرب عام 1994 وما أعقبها من إخضاع الجنوب بالقوة.
فالشرعية التي عجزت عن بناء مشروع وطني جامع، وعن تحقيق الحسم العسكري ضد الحوثيين، ما تزال تتمسك بالجنوب باعتباره قاعدة لنفوذها السياسي والعسكري، في وقت تتراجع فيه مواقعها شمالًا وتتقلص مناطق سيطرتها. ولم يكشف هذا التراجع عن إخفاق عسكري فحسب، بل أظهر عمق أزمة مشروعها السياسي، وعجزها عن بناء حاضنة اجتماعية جنوبية تمنحها قبولًا حقيقيًا، في ظل تراكم المظالم وفشل إدارة مؤسسات الدولة واستشراء الفساد.
وفي المقابل، يواصل الحوثيون توسيع نفوذهم مستفيدين من انقسامات خصومهم وتشتت أهدافهم، دون أن يعني ذلك امتلاكهم القدرة على حسم الحرب نهائيًا أو إخضاع اليمن بأكمله لمشروعهم. فالتفوق العسكري في جبهة معينة لا يعني بالضرورة القدرة على حسم الصراع برمته، كما أن السيطرة على الأرض لا تمنح تلقائيًا شرعية سياسية أو قبولًا شعبيًا.
وهنا تتجلى المفارقة السياسية الكبرى: الشرعية والحوثيون يتقاتلون على حكم اليمن، لكنهما يلتقيان عند رفض الاعتراف بحق الجنوب في استعادة دولته.** فبينما تختلف شعارات الطرفين ومبرراتهما، يظل الجنوب حاضرًا في حساباتهما بوصفه مجالًا للسيطرة والنفوذ، لا طرفًا سياسيًا يمتلك قضية وطنية وإرادة مستقلة وحقًا في اختيار مستقبله.
ولا يعني ذلك بالضرورة وجود اتفاق معلن أو تنسيق مباشر بين القوى الشمالية، بقدر ما يعكس قاسمًا مشتركًا في مواقفها السياسية، يتمثل في التمسك بصيغة الوحدة اليمنية، رغم إخفاق تجربتها في تحقيق الشراكة والعدالة والقبول المتبادل. وهكذا، فإن اختلاف هذه القوى على من يحكم اليمن لم يتحول إلى اعتراف واضح بحق الجنوب في اختيار شكل دولته ومستقبله السياسي.
ومن منظور جنوبي، فإن جوهر المشكلة لا يكمن في هوية الطرف الذي يسيطر على صنعاء، أو في الجهة التي تتمكن من توسيع نفوذها على حساب الأخرى، وإنما في استمرار التعامل مع الجنوب باعتباره مساحة جغرافية قابلة للإخضاع، بدلًا من الاعتراف به قضية سياسية ذات خصوصية وطنية وحقوق وتطلعات لا يمكن تجاوزها. فالشرعية، في نظر قطاعات واسعة من الجنوبيين، لم تنجح في تجاوز إرث الصراع على الجنوب، فيما يمثل المشروع الحوثي، بدوره، تهديدًا لإرادتهم السياسية ومستقبلهم الوطني.
لقد أثبتت التجربة أن الصراع العسكري بين الشرعية والحوثيين لم ينتج حلًا نهائيًا، وأن الرهان على القوة وحدها لن يحقق الاستقرار ما لم تُعالج جذور الأزمة السياسية. كما أثبتت أن القضية الجنوبية ليست خلافًا على المناصب أو حصة في السلطة، ولا يمكن احتواؤها بمبادرات سياسية ترفع شعارات الحل والشراكة، بينما تُبقي على جوهر الأزمة، أو تعيد إنتاج الدولة اليمنية الواحدة تحت مسميات وصيغ مختلفة، سواء أكانت دولة بسيطة أم مركبة، اتحادية أم متعددة الأقاليم.
ومن هنا، فإن محاولة الالتفاف على جوهر القضية الجنوبية بطرح الفيدرالية أو إعادة توزيع السلطات والأقاليم، مع اعتبار الوحدة السياسية أمرًا محسومًا سلفًا، لا تمثل حلًا حقيقيًا، بل تؤجل مواجهة الاستحقاق السياسي الذي أفرزته سنوات الصراع. فحق الجنوبيين في تقرير مستقبلهم لا ينبغي أن يخضع لافتراضات مسبقة أو حلول مفروضة من خارج إرادتهم، وإنما يجب أن يكون أساسًا لأي مسار تفاوضي جاد، تُصان فيه حرية الاختيار وتُوفر له الضمانات الكفيلة بمنع الإكراه وفرض الأمر الواقع.
إن أي تسوية سياسية شاملة لا يمكن أن تختزل الأزمة اليمنية في اقتسام السلطة بين القوى الشمالية المتصارعة، أو تجعل حل القضية الجنوبية تابعًا للتفاهمات القائمة بينها. فصراعات الشمال ينبغي أن تجد طريقها إلى الحل بين أطرافها، بمعزل عن حق الجنوبيين في تقرير مستقبلهم، من خلال مسار سياسي تفاوضي يعترف بخصوصية قضيتهم وبحقهم في اختيار شكل دولتهم المستقبلية.
فالمشكلة اليمنية لم تعد مجرد حرب بين الشرعية والحوثيين، بل أصبحت أزمة مشاريع سياسية متعارضة، تتصدرها القضية الجنوبية بوصفها أحد المفاتيح الرئيسية لأي تسوية مستدامة. وما لم تدرك القوى الشمالية أن تجاوز هذه القضية أو فرض حلول تنتقص من إرادة الجنوبيين لن يؤدي إلا إلى إعادة إنتاج الصراع، فستظل التسويات مجرد هدن مؤقتة، والانتصارات العسكرية مقدمات لجولات جديدة من الحرب.
















