تقربر: عيدروس الزبيدي يعيد قضية الجنوب إلى الطاولة الاقليمية والدولية
عرب تايم
بعث عيدروس الزُبيدي، رئيس المجلس الانتقالي الجنوبي في اليمن، من خلال ظهوره التلفزيوني بعد أشهر من الاحتجاب، رسالة واضحة: ما دمتم بحاجة لقواتنا الجنوبية عسكرياً لمواجهة ميليشيا الحوثي، فيجب أن تعترفوا بنا وبمشروعنا سياسياً.
أطل الزُبيدي في توقيت إقليمي حرج يشهد إحتدام المواجهة بين ميليشيا الحوثي والسعودية، واستفحال السباق اليمني الداخلي لرسم ملامح واقع البلاد وتوازن قواه السياسية خلال وبعد هذه الحرب.
قال الزبيدي للجميع، أن من يتحمل فاتورة الدم والميدان، لا يمكن إقصاؤه عن هندسة الحل السياسي.
إلى ذلك، تتفرع دلالات هذا الظهور وتوقيته عبر عدة مسارات:
يسعى الزُبيدي لترجمة وزن قواته على الأرض إلى معادلة سياسة، قاطعاً الطريق على أي مسار تفاوضي لاحق قد يُرحّل “القضية الجنوبية” مجدداً إلى هوامش التسوية بمجرد انتهاء الحاجة الميدانية.
تُعد هذه الإطلالة خطوة لترميم الجسور بين القيادة الجنوبية وقواعدها الشعبية والعسكرية، لا سيما عقب الاشتباك السابق في يناير بينه (ومن خلفه الإمارات) وبين السعودية. إنها رسالة إثبات وجود مضادة لسردية تفكيك المجلس الانتقالي، تؤكد استمرارية مرجعيته وقدرته على الحشد، بصفته صاحب الحاضنة الشعبية في الجنوب.
يضفي توظيف ذكرى ثورة 14 أكتوبر 1963 لإنهاء الاستعمار البريطاني لجنوب اليمن، والتي تُوّجت بنيل جنوب اليمن الاستقلال التام في 30 نوفمبر 1967، شرعيةً تاريخية على مطلب استعادة الدولة الجنوبية، مُحوّلاً الدعوة للاحتشاد الشعبي إلى استفتاء ميداني عاجل.
ويهدف هذا الحراك إلى تجديد التفويض الجماهيري للزبيدي بغية تعزيز موقفه التفاوضي أمام الحلفاء قبل الخصوم.
يحمل الخطاب رسالة مزدوجة للسعودية. فهو يمزج بين التنديد الصارم بالاعتداءات الحوثية الارهابية على المملكة، وبين المطالبة بالاعتراف بالمسار الجنوبي. إنها محاولة لمقايضة الشراكة الأمنية بتفاهم سياسي، رغم أن لغة الخطاب لا تشي بوجود اتفاق مسبق وناجز مع الرياض.
عندما يقول الزُبيدي إن قواته ستدافع فقط عن حدود الجنوب (كما كانت قبل إعلان الوحدة عام 1990)، فهو يوصل رسالة واضحة: نحن لسنا مجرد بنادق للإيجار بل نقاتل عسكرياً بهدف استعادة دولتنا في الجنوب.
يتذكر الجنوبيون بمرارة أنهم دخلوا في شراكة ووحدة مع الشمال عام 1990، لكن النتيجة كانت حرب صيف 1994 التي انتهت باجتياح الجنوب وإقصاء قادته وتهميش شعبه تماماً.
يخشى الزُبيدي اليوم أن تُستنزف قواته وتقدم دماءً وتضحيات كبيرة، ثم يتفاجأ لاحقاً بـ”تسوية سياسية” أو اتفاق سلام يوزع السلطة على الآخرين ويُعيد تهميش الجنوب كما حدث في الماضي.
عبر التعهد بتأمين الملاحة الدولية ومكافحة الإرهاب، يُقدّم الانتقالي نفسه كشريك موثوق في معادلة الأمن الإقليمي. غير أن فاعلية هذا العرض تظل رهن الانتقال من حالة الفصيل العسكري إلى الحكم المؤسسي، وتأسيس مظلة وطنية تستوعب كافة الأطياف الجنوبية.
يسعى الزُبيدي لفرض معادلة التلازم العضوي بين الحضور العسكري والمكانة السياسية. وسيكون المقياس الفعلي لنجاح هذه المناورة هو زخم الاستجابة الشعبية، ومدى تماسك الجبهة الداخلية، وطبيعة الاستجابة السعودية له. إلا أن التحدي الاستراتيجي الأعمق يكمن في قدرة الانتقالي على بلورة النفوذ الميداني ضمن مشروع سياسي تشاركي يُبدّد هواجس الإقصاء، ويصيغ عقداً اجتماعياً يضمن عدم استنساخ أخطاء الماضي داخل البيت الجنوبي نفسه.
نديم كوتيش
















