في الوقت الذي يتطلع فيه شعب الجنوب إلى مرحلة من الشراكة الحقيقية والاستقرار، تبرز على السطح ممارسات مقلقة تنتهجها بعض سلطات “الأمر الواقع” والدوائر الحكومية، تهدف في جوهرها إلى تهميش وإقصاء الكوادر الجنوبية الكفؤة.
هذه التوجهات، التي تدار خلف كواليس “التوجيهات السرية”، لا تستهدف الأشخاص في وظائفهم فحسب، بل تستهدف المشروع الوطني الجنوبي من خلال إفراغ مؤسسات الدولة من ركائزها المؤمنة بحق استعادة دولة الجنوب العربي كاملة السيادة.
تعتمد سياسة الإقصاء الراهنة على أساليب ناعمة لكنها شديدة الخطورة؛ حيث يتم استبعاد الكفاءات الجنوبية المشهود لها بالثبات على المبادئ الوطنية، وإحلال عناصر تفتقر للخبرة أو تتبع أجندات معادية لتطلعات شعب الجنوب.
محاولة “تجريف” المؤسسات من الكوادر المؤمنة بالقضية الجنوبية تعكس رغبة واضحة في إضعاف القدرة الإدارية للجنوبيين على إدارة شؤونهم في المستقبل، وخلق حالة من التبعية الدائمة لمراكز نفوذ لا تخدم المصلحة الوطنية العليا.
وتعد “التوجيهات السرية” التي تستهدف إزاحة الكوادر الجنوبية من مفاصل القرار الإداري والمالي خرقاً سافراً لكل التفاهمات السياسية.
هذه الممارسات لا تعبر عن روح الشراكة، بل هي امتداد لسياسات قديمة سعت دوماً إلى جعل الجنوب “ساحة بلا سيادة” وكادراً بلا قرار. إن إقصاء المتمسكين بثوابت استعادة الدولة هو محاولة بائسة لكسر إرادة النخب الجنوبية التي ترفض المساومة على الهوية أو التفريط في تضحيات الشهداء.
استمرار هذه السياسات يؤدي إلى نتائج كارثية، منها تراجع الأداء المؤسسي من حيث نتيجة استبعاد الكفاءات واستبدالها بالولاءات الحزبية أو الشخصية، وعزعة الثقة بالمسار السياسي: حيث يشعر المواطن الجنوبي أن حقوق كوادره تُسلب تحت غطاء الشرعية.
يُضاف إلى ذلك تأجيج الغضب الشعبي، حيث أن إقصاء الكوادر الوطنية هو إهانة للإرادة الشعبية التي فوضت هذه النخب لتمثيل تطلعاتها.
محاولات التغييب القسري للكوادر الجنوبية لن تزيد الشعب إلا إصراراً على التمسك بحقه في إدارة أرضه ومؤسساته. إن الوعي الجنوبي اليوم في أعلى مستوياته، ولن تمرر سياسات الإقصاء مهما تغلفت بالسرية أو البيروقراطية.
فاستعادة دولة الجنوب تبدأ من الحفاظ على كوادرها وحماية مؤسساتها من التغلغل الممنهج، وهي معركة وعي وإدارة لا تقل أهمية عن معارك الميدان؛ فالجنوب سيبقى بكوادره، وبوحدة صفه، عصياً على كل محاولات الطمس والإلغاء.
















