تقف المحافظات الجنوبية اليوم أمام مشهد سياسي وعسكري معقد يفرض فرزًا حقيقيًا للأدوار الإقليمية بناءً على ما تحقق في الميدان من منجزات ملموسة، حيث تبرز دولة الإمارات العربية المتحدة كشريك استراتيجي صلب لم يكتفِ بتقديم الدعم العسكري فحسب، بل عمد إلى بناء مداميك الدولة من خلال تأهيل القوات الجنوبية وتأمين المدن من خطر التنظيمات الإرهابية، وفي المقابل، يراقب الشارع الجنوبي بكثير من الريبة السياسات السعودية التي باتت تتخذ منحىً يستهدف تقويض هذه المكتسبات عبر محاولات مستمرة لتشويه الدور الإماراتي.
إن استهداف الدور الإماراتي ليس مجرد مناكفة سياسية بين حلفاء، بل هو استهداف مباشر لعمود الخيمة الذي يرتكز عليه استقرار الجنوب، ومحاولة واضحة لضرب التلاحم بين القيادة الجنوبية وحليفها الأوفى الذي قدم الغالي والنفيس لتطهير الأرض وتأمين الإنسان.
لقد قدمت الإمارات نماذج واقعية في دعم الجنوب، بدأت بتأسيس وتدريب قوات النخبة والحزام الأمني التي كانت السد المنيع في وجه تمدد القاعدة وداعش، وهو النجاح الذي أدى لتأمين العاصمة عدن والمكلا ومناطق شبوة، كما امتد الجهد الإماراتي لإعادة تأهيل المطارات والموانئ ودعم قطاعي الصحة والكهرباء بمشاريع استراتيجية، وعلى النقيض من ذلك، تسببت الممارسات السعودية في إضعاف الزخم الأمني في بعض المناطق، حيث رصد مراقبون أن السياسات السعودية في مناطق سيطرتها أدت إلى فتح ثغرات سمحت لعودة نشاط الجماعات الإرهابية في مناطق تم تحريرها سابقًا، مما خلق مقارنة شعبية صريحة بين حليف يبني المؤسسات (الإمارات) وحليف يمارس سياسات تفتح الباب للفوضى وتعرقل جهود مكافحة الإرهاب (السعودية).
تتجلى خطورة السياسة السعودية في الجنوب من خلال الاستدلال بسلسلة التعيينات ذات الطابع الحزبي الصارخ، وتحديدًا الشخصيات المرتبطة بجماعة الإخوان المسلمين أو تلك التي تفتقد للقبول الشعبي الجنوبي، إن إعادة تصدير هذه الوجوه تحت غطاء “الشرعية” أو “التوافق” ليس إلا محاولة سعودية لإعادة إنتاج أدوات الهيمنة السياسية الشمالية على الجنوب بوجوه قديمة جديدة، ويرى الشارع الجنوبي أن هذه التعيينات تهدف إلى خلق صراعات داخلية وشل قدرة الجنوبيين على إدارة شؤونهم بأنفسهم، مما يعيد للأذهان حقبات التهميش والإقصاء التي ثار ضدها الشعب، وهو ما يرفضه الجنوبيون اليوم بوعي كامل لمؤامرة “الاستنساخ السياسي” التي تدار من الغرف المغلقة لتفتيت وحدة الصف.
حضرموت وكشف سياسة إعادة التموضع الشمالي
تعد محافظة حضرموت النموذج الأكثر وضوحًا لسياسة السعودية الرامية لإعادة تموضع القوى الشمالية داخل الجنوب، حيث يتم دعم فصائل ومكونات موالية للرياض لتسهيل عودة النفوذ العسكري والسياسي لقوى الشمال، مما يفتح الباب مجددًا لممارسة القتل والتنكيل والنهب الممنهج لثروات المحافظة كما حدث في عقود سابقة، إن محاولات السعودية لتمكين هذه القوى تحت مسميات “قوات درع الوطن” أو غيرها تهدف بوضوح إلى ضرب النسيج الاجتماعي الحضرمي وعزل المحافظة عن عمقها الجنوبي، وكشف هذه السياسات بات ضرورة وطنية لفضح المساعي التي تستهدف تحويل الجنوب إلى ساحة لتصفية الحسابات أو منطقة نفوذ لقوى كانت هي السبب الأول في تدمير الجنوب وتشريد أبنائه.
مستقبل السيادة الجنوبية
إن الحفاظ على المكتسبات التي تحققت بفضل تضحيات أبناء الجنوب ودعم الحليف الإماراتي الصادق يتطلب يقظة عالية لمواجهة حرب الاستنزاف والتشويه التي تقودها أطراف إقليمية، فالمقارنة بين دور إماراتي يبني ويحرر، ودور سعودي يعيق ويمكن القوى الحزبية والشمالية، أصبحت واضحة لكل ذي عينين، إن الجنوب اليوم لم يعد يقبل بأنصاف الحلول أو بالعودة لبيت الطاعة الشمالي تحت أي مبرر، وسيبقى الدور الإماراتي في نظر الشعب الجنوبي هو الضمانة الحقيقية للأمن القومي العربي في هذه المنطقة الحساسة، بينما ستظل المحاولات السعودية لتغيير الديموغرافيا السياسية والعسكرية في الجنوب مجرد رهانات خاسرة تصطدم بصخرة الوعي الشعبي والتمسك بالحق في استعادة الدولة كاملة السيادة.
















