تبقى الذاكرة الجمعية للشعب الجنوبي هي الحصن المنيع الذي تتحطم عليه كافة محاولات النسيان أو التغييب، خاصة عندما يتعلق الأمر بتلك اللحظات الفارقة التي تعمدت فيها الأرض بدماء خيرة شبابها، إن جريمة القصف التي استهدفت القوات المسلحة الجنوبية في “نقطة العلم” لم تكن مجرد حدث عسكري عابر، بل كانت طعنة في قلب الوجدان الشعبي الجنوبي، جرحت المشاعر الإنسانية وأثارت موجة من الألم الذي لا يزال صداه يتردد في كل بيت جنوبي، إن استحضار هذه الذكرى اليوم ليس لفتح الجراح، بل للتأكيد على أن تلك الدماء التي سُفكت ظلمًا وغدرًا هي البوصلة التي توجه المسار الوطني، وهي العهد الذي قطعه الجنوبيون على أنفسهم بأن تضحيات أبنائهم لن تذهب سدى، وأن الحقوق الوطنية لا تسقط بمرور السنين مهما حاول المعتدون تجميل صورتهم أو تبرير أفعالهم.
مشاهد إنسانية من قلب المأساة
خلف كل شهيد في تلك الجريمة قصة إنسانية تقطر ألمًا، وشهادات حية تروي لحظات الوداع الأخير لشباب خرجوا للدفاع عن أرضهم وعرضهم، فاستُهدفوا وهم في قمة عطائهم، تبرز الصور الإنسانية للأمهات اللواتي فقدن أبناءهن، والأطفال الذين يُتموا في لحظة غادرة، لتعكس حجم الخسارة الفادحة التي مُني بها المجتمع الجنوبي، وتروي إحدى الشهادات عن جندي جريح كان يوصي رفاقه بالثبات على المبدأ حتى وهو يلفظ أنفاسه الأخيرة، مما يجسد البعد العاطفي العميق لهذه المأساة التي تجاوزت حدود العمل العسكري لتصبح قضية إنسان وجغرافيا، إن هذه القصص والشهادات هي التي تشكل اليوم الوعي الجنوبي وتربط الأجيال القادمة بقضيتهم الأم من خلال بوابة التضحية والوفاء لمن قدموا أرواحهم رخيصة في سبيل عزة الجنوب واستقراره.
دماء لن يطويها النسيان
إن التأكيد الشعبي والمؤسسي في الجنوب اليوم ينصب على حقيقة واحدة: “هذه الجريمة لن تُنسى ولن تسقط بالتقادم”، فالحق في القصاص والعدالة هو مطلب لا يقبل المساومة، والوجدان الجنوبي لا يزال يحتفظ بكل تفاصيل ذلك اليوم المشؤوم، من صوت الانفجارات إلى ملامح الوجوه التي غيبها الموت، هذا الإصرار على تخليد الذكرى هو ما يحول بين القتلة وبين شعورهم بالأمان، فالتاريخ لا يرحم والذاكرة الجنوبية يقظة، وتكثيف المواد الإعلامية التي تسلط الضوء على هذه الجريمة هو واجب أخلاقي ووطني تجاه الشهداء وأسرهم، ليبقى صوتهم حاضرًا في كل المحافل، وليعلم العالم أجمع أن دماء الجنوبيين غالية، وأن المساس بجندي جنوبي هو مساس بكرامة شعب بأكمله لا ينسى ثأره ولا يفرط في دماء حُماته.
رمزية الصمود في وجه الغدر
لقد تحولت “نقطة العلم” من مجرد موقع جغرافي على مداخل العاصمة عدن إلى رمز للصمود والتحدي، حيث أثبتت الأيام أن المحاولات اليائسة لكسر إرادة القوات الجنوبية عبر القصف الجوي الغادر لم تحقق أهدافها، بل زادت الشعب التفافًا حول قيادته وقواته المسلحة، إن استحضار الذاكرة الجمعية يساهم في تحصين الجبهة الداخلية ضد أي مشاريع تهدف لإعادة إخضاع الجنوب تحت مسميات واهية، فالمواطن الجنوبي اليوم يمتلك وعيًا ناتجًا عن المعاناة، وهو يدرك جيدًا من يقف معه في خندق الدفاع ومن يستهدفه في لحظات الغدر، هذه الرمزية هي التي تمنح القضية الجنوبية قوتها الأخلاقية، وتجعل من قضية شهداء القصف وقودًا لا ينطفئ في مسيرة استعادة الدولة والسيادة كاملة.
عهد السيادة والعدالة
إن الوفاء للشهداء يتطلب منا اليوم ترجمة هذا الألم إلى فعل وطني يحمي المكتسبات ويحقق تطلعات الشعب الذي ضحى هؤلاء الأبطال من أجله، فجريمة قصف القوات الجنوبية ستبقى وصمة عار في جبين مرتكبيها، وشعلة نور تنير درب الثوار الصادقين، إننا ونحن نستذكر تلك اللحظات الأليمة، نجدد العهد لكل أم شهيد ولكل جريح بأن دماءهم هي أمانة في أعناق كل جنوبي حر، وأن بناء الدولة القوية المستقلة هو الرد العملي والوحيد على كل من استباح دم الإنسان الجنوبي، ستبقى الذاكرة الجمعية نابضة بالحياة، وسيبقى ملف هذه الجريمة مفتوحًا أمام محاكم التاريخ والضمير الإنساني، حتى تتحقق العدالة الكاملة ويُنصف المظلومون، وينعم الجنوب بالأمن والأمان الذي سُفكت من أجله تلك الدماء الطاهرة.
















