في تطور خطير يعكس تصاعد حدة الأزمة الأمنية في مالي، شهدت البلاد واحدة من أعنف الهجمات المنسقة منذ اندلاع النزاع عام 2012، ما دفع السلطات إلى التحرك بشكل عاجل لإعادة ترتيب أولوياتها الدفاعية والأمنية. وبينما كانت الاشتباكات تدور في عدة مناطق، احتضن قصر كولوبا في العاصمة باماكو اجتماعا حاسما لرسم ملامح الرد على هذا التصعيد غير المسبوق.
هجمات متزامنة تضرب عمق الدولة
نفذت جماعات مسلحة، على رأسها جماعة نصرة الإسلام والمسلمين المرتبطة بتنظيم القاعدة، بالتعاون مع جبهة تحرير أزواد الانفصالية، هجمات متزامنة استهدفت مدنا استراتيجية في شمال البلاد مثل كيدال وغاو، إضافة إلى مناطق قريبة من العاصمة.
وامتدت العمليات إلى مدينة كاتي، حيث وقع هجوم انتحاري بسيارة مفخخة استهدف منزل وزير الدفاع ساديو كامارا، ما أدى إلى مقتله، في ضربة موجعة للمؤسسة العسكرية.
صمت محسوب وتحرك تدريجي للرئيس
في خضم هذه الأحداث، اختار الرئيس الانتقالي أسيمي غويتا الغياب عن الظهور العلني لعدة أيام، في خطوة بدت تكتيكية لإعطاء الأولوية لإدارة العمليات الميدانية. لاحقا، بدأ الظهور بشكل تدريجي، بدءا من اجتماعات رسمية، وصولا إلى زيارات ميدانية للمصابين وعائلة وزير الدفاع الراحل.
وفي خطاب متلفز، أكد غويتا أن الوضع “تحت السيطرة”، مشيرا إلى استمرار العمليات الأمنية والاستخباراتية لتعقب العناصر المسلحة.
اجتماع كولوبا.. إعادة هيكلة الرد
شكل اجتماع المجلس الأعلى للدفاع الوطني في قصر كولوبا نقطة تحول في إدارة الأزمة، حيث جمع كبار المسؤولين العسكريين والأمنيين، من بينهم:
- عبد الله مايغا، رئيس الوزراء
- داوود علي محمدين، وزير الأمن
- عمر ديارا، رئيس أركان الجيش
وأسفر الاجتماع عن إصدار 16 توجيها استراتيجيا تهدف إلى تعزيز قدرات الجيش وإعادة تنظيم الانتشار العسكري لمواجهة التهديدات المتزايدة.
إعادة انتشار وتكتيك دفاعي جديد
اعتمدت القيادة العسكرية استراتيجية إعادة تجميع القوات، خاصة في الشمال، حيث تم الانسحاب من بعض المواقع الأمامية لصالح تعزيز التمركز في مدينة غاو، بهدف تفادي عزل الوحدات العسكرية في مناطق مكشوفة.
وشملت هذه الخطوة نقل وحدات من مناطق مثل تيسيت وتيساليت إلى مواقع أكثر أمانا، في إطار خطة دفاعية تهدف إلى الحفاظ على تماسك القوات.
أولوية للضربات الجوية
في تحول لافت، فضلت الحكومة المالية الاعتماد على الضربات الجوية بدلا من العمليات البرية واسعة النطاق. فقد نفذ الجيش غارات استهدفت مواقع للمسلحين في منطقة سيفاري، ما أسفر عن مقتل عدد منهم وتدمير مواقعهم.
كما تواصلت العمليات الجوية في كيدال، مستهدفة البنية اللوجستية للجماعات المسلحة، في محاولة لإضعاف قدراتها القتالية.
تشديد أمني واحتواء القلق الشعبي
بالتوازي مع العمليات العسكرية، فرضت السلطات إجراءات أمنية مشددة في المدن الكبرى، خاصة في باماكو، حيث تم تطبيق حظر تجول وتكثيف الدوريات.
وتهدف هذه الإجراءات إلى منع أي تسلل محتمل، إضافة إلى احتواء حالة القلق المتزايدة بين السكان، والتي تفاقمت بفعل انتشار معلومات مضللة عبر وسائل التواصل الاجتماعي.
استعادة المعنويات وبناء التماسك
لم تقتصر الجهود على الجانب العملياتي، بل شملت أيضا العمل على رفع معنويات القوات المسلحة، التي تعرضت لضغط كبير نتيجة الهجمات. وقد قام كبار الضباط بزيارات ميدانية للوحدات، لتقييم الوضع وتعزيز الروح القتالية.
مواجهة مفتوحة ومعقدة
تكشف هذه التطورات عن تحول نوعي في طبيعة التهديدات التي تواجهها مالي، حيث باتت في مواجهة تحالف هجين يجمع بين الجماعات الإرهابية والانفصالية. وهو ما يفرض تحديات مركبة على الدولة، تتطلب استجابة متعددة الأبعاد تجمع بين العمل العسكري، والاستخباراتي، والسياسي.
اختبار صعب
تقف مالي اليوم أمام اختبار صعب في مسارها الأمني، حيث تحاول استعادة زمام المبادرة في مواجهة خصوم يتمتعون بالمرونة والقدرة على التنسيق. وبينما تعيد الدولة ترتيب أوراقها، يبقى مستقبل الاستقرار مرهونا بمدى قدرتها على تنفيذ هذه الاستراتيجية الجديدة بكفاءة، دون الانزلاق إلى مزيد من الفوضى.
















