الخميس – 07 مايو 2026 – الساعة 03:48 م بتوقيت عدن ،،،
4مايو/حافظ الشجيفي
يرى البصير في تقلبات السياسة وتصاريف الدول ان الاسماء ليست مجرد القاب تطلق في الهواء او اصوات ترسل لتملأ الفضاء بل هي حقائق الوجود وجواهر الكيان وعناوين الانتماء التي تتمايز بها الامم في سجل الخلود ومن العجيب ان ينكر المنكرون على صاحب الدار ان يخط اسم داره بما يوافق حقيقتها وتاريخها وكأنهم يريدون له ان يظل رهينة لتسمية سياسية لا تمت له بصلة القت بها اقدار لحظة تاريخية مرتبكة في غفلة من الوعي القومي الصحيح فاعلان المجلس الانتقالي الجنوبي اضافة صفة العربي الى مسماه ليغدو المجلس الانتقالي للجنوب العربي هو في حقيقته وجوهره استدراك للمغيب وايقاظ للحق المسلوب وتصحيح لمسار التاريخ الذي انحرف يوما ما تحت وطأة ايديولوجيات كانت ترى في الهوية الجغرافية القاصرة غاية المنى بينما الهوية العربية هي الوعاء الجامع والنسب الاصيل لكل شعوب هذه المنطقة الممتدة من لجج الخليج الى هدير المحيط وهي هوية قديمة قدم الدهر قومية السمات متميزة الملامح عن سائر القوميات والاعراق وما هذه الدول القائمة اليوم الا اغصان في تلك الشجرة الوارفة تنتسب في اصلها اليها بينما تظل هوياتها الفرعية السياسية مجرد ثياب يرتديها الزمان ويخلعها تبعا للمتغيرات والمصالح والاحوال.
فالمتأمل في تفويض الشعب الجنوبي للقائد عيدروس الزبيدي يدرك ان هذا التفويض لم يكن لشخصه او لمنصبه بل كان عهدا غليظا لاستعادة الدولة الجنوبية بكل حمولتها التاريخية والثقافية والسياسية وما الخطوة الاخيرة في ضبط التسمية الا اجراء طبيعي يتسق مع الفطرة القومية ولا يصادم واقع الدول العربية القائم بل هو في ميزان التحقيق والمراجعة تصويب لخطأ تاريخي فادح ارتكبه سلف من الجبهة القومية غداة الاستقلال من الاستعمار البريطاني في عام سبعة وستين حين اقحموا الهوية الجغرافية اليمنية في مسمى الدولة الوليدة وهي هوية سياسية مستلبة من الموقع الجغرافي الصرف الذي يحدد ما وقع عن يمين الكعبة المشرفة فالمنطقة التي يطلق عليها اليمن في لغة العرب والاوائل ليست الا تعريفا جغرافيا يحدد جهة اليمين قياسا الى القبلة ولا يمكن بحال من الاحوال ان تتحول الجهة الجغرافية الى قيد سياسي ابدي يلغي خصوصية الشعوب او يدمجها قسرا في كيانات لم تكن يوما جزءا منها في سياق الدولة الموحدة تاريخيا اذ لم يثبت في غابر الازمان ولا في حاضرها ان كيانا واحدا جامعا تقلد هذا الاسم على هذه الرقعة بحدودها الراهنة بل كان اليمن مصطلحا ينسحب على كل ما يقع يمين الكعبة بما في ذلك سلطنة عمان ومناطق عسير ونجران واجزاء واسعة تقع اليوم داخل الحدود السعودية فهل يجرؤ احد على ادعاء ان هذه الاقاليم تتبع كيانا سياسيا واحدا لمجرد اشتراكها في جهة جغرافية.
والجنوب العربي بما هو منطقة جغرافية تقع في اقصى الجنوب من الوطن العربي الكبير يملك كامل الشرعية السياسية والتاريخية في اتخاذ هذا المسمى هوية وطنية ثابتة تماما كما فعلت جمهورية جنوب افريقيا التي لم تجد حرجا في ان تستمد اسمها من موقعها في القارة السمراء وكما هو الحال في مصطلح المغرب العربي الذي يحدد الهوية والمكان في آن واحد ومن هنا تتجلى مأساة الجبهة القومية التي اقحمت اسم جمهورية اليمن الجنوبية الشعبية في نسيج الهوية الوطنية دون رجوع الى ارادة الشعب الحقيقية ففتحوا بذلك بابا للمتربصين ممن استغلوا هذا الاسم ليدعوا حقا ليس لهم ويدعوا ان الجنوب فرع عاد الى اصله في مغالطة سياسية وفلسفية وتاريخية تقلب الحقائق وتزيف الواقع فشعب يقاتل منذ ثلاثة عقود ويقدم قوافل الشهداء في سبيل استعادة هويته هو شعب يرفض بالفطرة والدم الارتباط بالهوية السياسية اليمنية القسرية ومن حقه السيادي ان يختار الاسم الذي يعبر عن كينونته والمجلس الانتقالي بوصفه المفوض شعبيا لم يذهب بعيدا حين اكد على الهوية العربية للجنوب فهو يناضل من اجل استعادة هوية لم تمت اصلا بل كانت مخبوءة تحت ركام الشعارات الزائفة.
والغريب في الامر ان نرى جهات دولية تحاول تصوير هذا التعديل البسيط في المسمى على انه خطيئة كبرى او انحراف عن المسار وكأن كلمة العربي ستغير من جغرافية الارض او ديموغرافيا السكان بينما الحقيقة ان اليمن المجاورة هي ذاتها عربية فما الذي يضيرهم ان يسمي الجنوب نفسه بما هو فيه ولعل الادهى والامر هو استخدام بعض الاقلام المأجورة من ابناء الجنوب انفسهم ليقوموا بدور المحلل لهذه القوى الدولية فيصموا المجلس بالخطأ بينما الخطأ الحقيقي والجريمة الكبرى هي الاستمرار في طمس الهوية الوطنية المستقلة للجنوب والحاقها بتبعية جغرافية لا تعبر عن واقعها الثقافي والاجتماعي المتميز فالجنوب العربي هوية كاملة الاركان لا تنقصها الشرعية ولا يعوزها الدليل ومن يدعي ان هذا التصحيح التاريخي هو زلل سياسي لا يمكن وصفه الا بالعمالة والارتزاق لقوى اجنبية لا تريد لهذا الشعب ان يستقر على قرار او يستعيد ما سلب منه من كرامة وطنية فالمجلس الانتقالي بفعلته هذه انما وضع النقاط على الحروف التي طال انتظارها وكان الاولى بمن سبقوا من قادة الاستقلال الاول ان يتحلوا بهذه الشجاعة السياسية لولا ان الايديولوجيات العابرة للحدود اعمت الابصار عن حقائق الجغرافيا والتاريخ التي لا تقبل التزوير فالحق الذي يطالب به الجنوب اليوم هو حق الوجود وتسمية الاشياء باسمائها الحقيقية بعيدا عن مواربة السياسيين او تدليس المؤرخين المأجورين فالجنوب العربي باقي ما بقي الزمان والاسماء ما هي الا مرايا تعكس وجوه الشعوب الصادقة في مرآة الحق الواضحة الجلية التي لا يغطيها غربال الزيف مهما طال ليل التضليل وتعددت ادواته وان المتشكك في هذه البديهيات انما يغالط نفسه قبل ان يغالط الواقع فالهوية ليست ثوبا يستعار بل هي روح تسكن الارض والانسان ومن هنا ندرك عمق الخطوة التي خطاها المجلس الانتقالي بوصفه كيانا يعبر عن طموحات شعب يرفض الانصهار في بوتقة الغير ويبحث عن ذاته في جذورها العربية الاصيلة التي لم تنقطع يوما وانما حجبتها سحب السياسة المتغيرة التي توشك ان تنجلي لتشرق شمس الجنوب العربي من جديد على خارطة الدنيا وطنا حرا سيدا مستقلا لا يتبع الا ارادة ابنائه ولا ينتمي الا لمحيطه الطبيعي الذي وجد فيه منذ فجر التاريخ فليقل القائلون ما شاؤوا وليكتب المستأجرون ما املي عليهم فالشعوب وحدها هي التي تكتب تاريخها بدمائها ومداد وعيها المتجدد الذي لا يقبل القسمة على الهويات المفروضة من الخارج مهما كانت الضغوط والاعتبارات الدولية التي تحاول ابقاء الوضع على ما هو عليه خدمة لمصالح ضيقة لا ترى في الانسان الجنوبي الا رقما في معادلاتها البائسة التي تجاوزها الزمن واطاح بها الوعي الشعبي المتفجر في كل ساحات الجنوب وميادينه المطالبة بالحرية والانعتاق من قيود التسميات المضللة التي اريد لها ان تكون سجنا ابديا للهوية الجنوبية العربية التي تأبى الانكسار او الذوبان في هويات لا تشبهها ولا تمت اليها بصلة غير الجوار الجغرافي الذي لا يبرر الوحدة القسرية او الطمس الممنهج للخصوصية الوطنية والمجتمعية والدينية والثقافية التي يتمتع بها شعب الجنوب العربي عن غيره من شعوب المنطقة المحيطة به في اطار النسق العربي العام والشامل لكل الاقطار.















