بينما يتسابق العالم نحو سرعات إنترنت خيالية وتقنيات الذكاء الاصطناعي، يغرق الملايين في إيران في “ثقب أسود” رقمي تجاوز يومه السبعين. لم يعد الأمر مجرد “بطء في التحميل” أو “عطل فني”، بل تحول إلى استراتيجية ممنهجة لفرض العزلة، حيث باتت الشاشات السوداء والرسائل العالقة هي المشهد اليومي المهيمن تحت ما يسمى سياسة “الظلام الرقمي”.
1. خارطة الحجب: ما وراء الجدران الرقمية
لم تكتفِ السلطات الإيرانية بحجب منصات التواصل الاجتماعي الشهيرة (واتساب، إنستغرام، وتلغرام)، بل انتقلت إلى مرحلة “التصفية الذكية” والشاملة التي شملت:
خنق بروتوكولات الـ VPN: تعطلت معظم أدوات كسر الحجب التي كان يعتمد عليها الإيرانيون، مما جعل الوصول إلى الشبكة العالمية أشبه بمهمة مستحيلة.
استهداف خدمات “غوغل”: طال الحجب خدمات أساسية مثل (Google Play) ومتجر التطبيقات، مما شلّ قدرة الهواتف الذكية على التحديث أو العمل بكفاءة.
تذبذب “الشبكة الوطنية”: تروج السلطات لـ “الإنترنت الحلال” أو الشبكة الوطنية كبديل، وهي شبكة داخلية تتيح الرقابة الكاملة وتمنع الاتصال بأي سيرفرات خارج الحدود.
2. اقتصاد في مهب الريح: خسائر بالمليارات
تجاوزت آثار الظلام الرقمي الجانب السياسي لتضرب العمود الفقري للاقتصاد الإيراني الناشئ:
موت التجارة الإلكترونية: تضرر أكثر من مليون كسب عيش يعتمد بشكل مباشر على “إنستغرام” لتسويق البضائع والخدمات.
نزيف الشركات الناشئة: سجلت تقارير اقتصادية هجرة جماعية للعقول التقنية (Startup Migration) نحو دول الجوار، هربًا من بيئة عمل لا توفر أدنى مقومات الاتصال.
تقديرات الخسائر: تشير مراكز أبحاث دولية إلى أن إيران تخسر ملايين الدولارات يوميًا نتيجة تعطل الخدمات الرقمية والتحويلات المالية المرتبطة بالشبكة.
3. “الإنترنت” كسلاح سياسي وأمني
يرى مراقبون أن استمرار الحجب لأكثر من شهرين ليس إجراءً مؤقتًا، بل هو إعادة صياغة للعقد بين السلطة والمجتمع:
منع التدفق المعلوماتي: التعتيم على ما يجري في الداخل الإيراني من احتجاجات أو اضطرابات اجتماعية.
الرقابة اللحظية: تتيح الشبكة المحلية للسلطات تتبع النشطاء وتحديد مواقعهم بدقة عالية بعيدًا عن تشفير الشركات العالمية.
سياسة “التعبئة الرقمية”: محاولة إجبار المستخدمين على الانتقال للتطبيقات المحلية (مثل “روبيكا” و”بله”) لتسهيل مراقبة المحتوى.
4. ردود الفعل الدولية والحقوقية
منظمة “نت بلوكس” (NetBlocks) المعنية بمراقبة أمن الشبكات، وصفت ما يحدث في إيران بأنه “أطول وأعنف عملية تعتيم رقمي في التاريخ الحديث”.
“إن حرمان شعب بأكمله من الوصول إلى المعلومات لا يعد انتهاكًا لحرية التعبير فحسب، بل هو جريمة ضد التنمية البشرية في العصر الحديث.” — مقتبس من تقرير حقوقي دولي.
دخل انقطاع الإنترنت المفروض من السلطات الإيرانية يومه الـ72، وفق ما أفادت به مجموعة نت بلوكس، المتخصصة في مراقبة حرية الإنترنت حول العالم، مؤكدة عدم وجود أي مؤشرات على قرب إنهاء القيود المفروضة.
وقالت المجموعة إن مدة الانقطاع تجاوزت 1704 ساعات، مضيفة أن “هذا الإجراء غير المسبوق دخل شهره الثالث، دون أي إشارة إلى استعادة أوسع للخدمة، في وقت تمنع فيه السلطات عامة الوصول الدولي إلى الإنترنت”، حسب شبكة “سي إن إن” الإخبارية الأمريكية.
وتستمر القيود المفروضة على الإنترنت في إيران منذ الهجمات التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل على البلاد في 28 فبراير (شباط)، بعد فترة قصيرة من انقطاع منفصل للإنترنت فرض في يناير (كانون الثاني) تزامنا مع احتجاجات مناهضة للحكومة، والتي أعقبها تشديد أمني واسعًا من قبل السلطات الإيرانية.
وسبق أن لجأت إيران مرارًا إلى قطع الإنترنت خلال فترات الاضطرابات الداخلية، حيث يتم تقييد الوصول إلى الشبكة العالمية بشكل حاد، أو قطعه بالكامل، ما يؤدي إلى تعطيل الوصول إلى المواقع والتطبيقات الأجنبية.
وخلال عمليات الإغلاق الكبرى، تبقي السلطات عادة أجزاء من الشبكة المحلية قيد التشغيل، بما يسمح باستخدام الخدمات المصرفية والمنصات الحكومية الداخلية، مع عزل المستخدمين عن الاتصالات الخارجية والإنترنت العالمي.
بعد مرور 70 يومًا، يخشى الإيرانيون أن يصبح هذا “الظلام” هو “الوضع الطبيعي الجديد”. إن التحول من “الإنترنت العالمي” إلى “الإنترنت المحلي” يعني تحويل إيران إلى جزيرة معزولة رقميًا تشبه نموذج كوريا الشمالية، مما يضع مستقبل الجيل الشاب وحلمه في التواصل مع العالم على المحك.
















