رأي عرب تايم
منذ لحظة إعلانه التاريخي، لم يكن المجلس الانتقالي للجنوب العربي مجرد إضافة إلى المشهد السياسي، بل كان ضرورة وجودية واستجابة حتمية للفراغ القيادي الذي عانى منه الجنوب لسنوات.
استطاع المجلس، منذ تأسيسه، أن يشكّل إطاراً سياسياً جامعاً استوعب تحت مظلته مختلف القوى الوطنية والمجتمعية، محولاً الشتات النضالي إلى كتلة صلبة تعبر بوضوح عن تطلعات شعب الجنوب.
القيمة الجوهرية للمجلس تكمن في قدرته على تجسيد الإرادة الشعبية ونقلها من ساحات الاحتجاج السلمي إلى أروقة صناعة القرار الدولي، واضعاً القضية الجنوبية في مكانها الطبيعي كطرف أصيل لا يمكن تجاوزه في أي تسوية سياسية شاملة.
ويرتكز المسار الذي اختطه المجلس الانتقالي على رؤية استراتيجية تهدف إلى استعادة الدولة الجنوبية وبناء مؤسساتها الوطنية على أسس حديثة ومعاصرة. والتحرك نحو هذا الهدف لم يكن عشوائياً، بل جاء عبر خطوات مدروسة شملت ترتيب البيت الداخلي الجنوبي، وتعزيز القدرات الدفاعية والأمنية، وتفعيل الدور الدبلوماسي في الخارج. هذا التوجه المؤسسي يعكس إدراك القيادة السياسية بأن استعادة الدولة ليست مجرد شعار، بل هي عملية بناء متكاملة تبدأ من تمكين الكوادر الجنوبية وإرساء قواعد الإدارة الرشيدة في محافظات الجنوب، لتكون نواة للدولة المنشودة التي تلبي طموحات الشعب في الحرية والعدالة والعيش الكريم.
وفي سبيل تحقيق هذه التطلعات، أثبت المجلس الانتقالي تمسكاً مطلقاً بثوابت القضية الجنوبية، وفي مقدمتها الحق غير القابل للتصرف في تقرير المصير واستعادة الدولة كاملة السيادة على حدود ما قبل 21 مايو 1990م.
هذا التمسك بالثوابت هو المحرك الأساسي لكل تحركات المجلس، حيث يرفض بصلابة أي مشاريع تنتقص من سقف التطلعات الشعبية أو تحاول الالتفاف على جوهر القضية. وبالرغم من الضغوطات السياسية والاقتصادية، ظل المجلس وفياً للعهد الذي قطعه أمام الجماهير، مؤكداً أن المرونة في العمل السياسي لا تعني التفريط في الأهداف الاستراتيجية، بل هي وسيلة لتحقيق تلك الأهداف بأقل التكاليف وضمن المعطيات الدولية المتاحة.
المجلس الانتقالي للجنوب العربي يمثل حائط الصد المنيع الذي يحمي المكتسبات الوطنية، والرافعة السياسية التي تقود الشعب نحو مستقبله المنشود. إن الالتفاف الشعبي الواسع حول المجلس يعزز من شرعيته ويمده بالقوة اللازمة لمواجهة التحديات الراهنة، وصولاً إلى إعلان الدولة الجنوبية الفيدرالية المستقلة. وهي مسيرة نضالية متراكمة لا تتوقف عند محطة التمثيل السياسي، بل تمتد لتشمل صياغة العقد الاجتماعي الجديد الذي يضمن لكافة أبناء الجنوب المشاركة في بناء وطنهم وحمايته، وصون كرامتهم فوق ترابهم الوطني الطاهر.















