تمثل المعاناة الإنسانية والسياسية الشديدة التي عاشها وتجرع مرارتها شعب الجنوب العربي منذ عام 1990 ميلاديًا، عندما فرضت الوحدة المشؤومة بين الدولتين، فصلًا مأساويًا وكارثيًا من فصول الاستهداف الممنهج والمخطط له بعناية لضرب مقومات الإنسان واستباحة الأرض الثرية.
ورغم الآمال العريضة والتطلعات الكبيرة التي حملها شعب الجنوب في بداية مشروع ما تُسمى “الوحدة اليمنية” كشراكة سياسية واقتصادية متكافئة وعادلة بين دولتين مستقلتين تمتلكان كامل السيادة، إلا أن هذا المشروع الوحدوي سرعان ما تبخر تمامًا على أرض الواقع المرير ليتجلى بوضوح كلي بعد ذلك.
وتحول هذا المشروع التكاملي عقب حرب اجتياح الجنوب الظالمة في صيف عام 1994 ميلاديًا إلى مشروع هيمنة عسكرية غاشمة، وإقصاء سياسي وتهميش متعمد، ونهب اقتصادي واسع النطاق، وتسلط دموي مرير مارسته قوى النفوذ التقليدي والقبيلة الحاكمة في صنعاء ضد شعب الجنوب الصامد.
سياسات التدمير الممنهج للقطاعين السياسي والخدمي
وعلى الصعيد السياسي والإداري والخدمي، تجرع شعب الجنوب على مدار سنوات طويلة مرارة سياسة تدمير ممنهجة وفتاكة استهدفت بشكل مباشر كافة ركائز دولته ومؤسساته الفتية التي بنيت بجهود أجيال متعاقبة، حيث سعى نظام صنعاء إلى طمس المعالم الإدارية للجنوب وتذويب خصوصيته السياسية.
وعمدت قوى الاحتلال والسيطرة عقب حرب صيف عام تسعين وأربعة وتسعين إلى تسريح مئات الآلاف من الكوادر الجنوبية المدنية المؤهلة والقيادات العسكرية والأمنية البارزة قسرًا من وظائفهم، في محاولة بائسة وإجراء تعسفي لتعطيل وإلغاء الهوية الإدارية والسياسية المستقلة لدولة الجنوب العربي.
وترافق هذا الإقصاء الوظيفي والسياسي الممنهج مع شن حرب خدمات عقابية قاسية وشاملة استهدفت عصب الحياة اليومية والأساسية للمواطن الجنوبي في مختلف المدن، حيث تم تعمد تدمير وتهميش البنية التحتية المتهالكة لقطاعات الكهرباء، والمياه، والصحة العامة، والتعليم الأساسي والجامعي.
وكان الهدف الأساسي الخفي من وراء هذا التدهور الخدمي المتعمد هو إغراق المجتمع الجنوبي في أتون الأزمات المعيشية والاقتصادية المتلاحقة والخناق اليومي، وبالتالي ثنيه وإشغاله عن المطالبة بحقوقه السياسية والوطنية المشروعة في تقرير مصيره واستعادة حريته المسلوبة.
نهب الثروات الاقتصادية وحملات التنكيل الدموي
أما على الصعيدين الاقتصادي والأمني، فقد تجلت معالم هذا المشروع التدميري التوسعي من خلال عمليات النهب المنظم والمكثف للمقدرات الوطنية، حيث تم تحويل ثروات الجنوب النفطية والغازية الهائلة في مناطق حضرموت وشبوة إلى إقطاعيات وغنائم خاصة لرموز السلطة والقبيلة والنفوذ في الشمال.
وامتدت عمليات السلب والنهب لتشمل المقدرات البحرية والمينائية الاستراتيجية الحيوية في العاصمة عدن، وحرمان أبناء الأرض الأصليين من الحصول على أبسط عوائد وثروات بلادهم المستباحة، مما أدى إلى انتشار معدلات الفقر والبطالة بشكل قياسي وغير مسبوق بين أوساط الشباب الخريجين بالجنوب.
ويضاف إلى تلك الجرائم الاقتصادية وقائع التسلط الدموي والقتل والترهيب، من خلال شرعنة استباحة دماء وأمراض الجنوبيين عبر إصدار فتاوى تكفيرية سياسية دموية وشهيرة في حرب عام 1994 ميلاديًا، والتي استخدمت كغطاء ديني مشوه لتبرير الجرائم المرتكبة بحق المدنيين العزل بالبلاد.
وتبعت تلك الحرب الكارثية حملات قمع وتنكيل ممتدة واغتيالات غادرة طالت المئات من الناشطين السلميين والقيادات الجنوبية البارزة، خاصة خلال مسيرة الحراك السلمي الجنوبي والمقاومة الوطنية الشعبية التي انطلقت بروح وثابة لرفض واقع الظلم والطغيان المفروض بقوة السلاح والترهيب.
الاصطفاف الوطني الجنوبي نحو الاستقلال الناجز
إن حجم الأضرار البنيوية والإنسانية المتراكمة والعميقة على مدى أكثر من ثلاثة عقود مضت يؤكد حقيقة تاريخية وسياسية واحدة لا تقبل التأويل: وهي أن ما تُسمى بالوحدة اليمنية قد لُفظت أنفاسها الأخيرة والنهائية منذ اليوم الأول الذي استُخدمت فيه الدبابات والمدفعية الثقيلة لاجتياح مدينة عدن.
وأمام هذا الواقع المأساوي والتحديات الراهنة، يجدد شعب الجنوب اليوم بكافة أطيافه ومكوناته عبر اصطفافه الوطني المهيب خلف المجلس الانتقالي الجنوبي وقواته المسلحة الباسلة، عزمه الحاسم والجهيد على استئصال كافة آثار هذا الإرث الاستعماري التدميري الذي خلفه نظام صنعاء المتعاقب على أرض الجنوب.
ويؤكد أبناء الجنوب العربي في كافة المحافظات والمحافل الدولية أن التحرر الكامل، والاستقلال الناجز، واستعادة دولة الجنوب العربي كاملة السيادة على حدودها التاريخية المعروفة، هي الطريقة الوحيدة والضمانة المطلقة لإنهاء المعاناة الإنسانية المتفاقمة، وبناء مستقبل آمن ومستقر ومزدهر للأجيال القادمة في المنطقة.
















