تشهد مدينة كيدال، المعروفة بلقب “لؤلؤة الشمال”، مرحلة جديدة من الصراع المعقد في شمال مالي، بعد أسابيع من خروج الجيش المالي وحلفائه من المدينة وسيطرة تحالف غير مسبوق يضم فصائل أزوادية مسلحة وعناصر مرتبطة بجماعة جماعة نصرة الإسلام والمسلمين.
ورغم الحديث المتكرر عن “تحالف ظرفي”، فإن المؤشرات الميدانية تؤكد أن المعارك لا تزال بعيدة عن نهايتها، وأن شمال مالي يدخل مرحلة أكثر تعقيدًا قد تعيد رسم موازين القوى في منطقة الساحل بأكملها.
كيدال.. مدينة استراتيجية خارج سيطرة الدولة
تُعد كيدال واحدة من أهم المدن الاستراتيجية في شمال مالي، ليس فقط بسبب موقعها الجغرافي القريب من الحدود الجزائرية، بل لأنها تمثل المعقل التاريخي للحركات الأزوادية المطالبة بالحكم الذاتي أو الانفصال منذ عقود.
ومنذ اندلاع التمردات المتكررة في الشمال، تحولت المدينة إلى رمز للصراع بين الحكومة المركزية في باماكو والحركات الطوارقية المسلحة. لكن التطورات الأخيرة حملت تحولًا لافتًا، بعدما نجحت الفصائل الأزوادية، بدعم من جماعات متشددة، في طرد القوات الحكومية وحلفائها الروس المرتبطين بفيلق إفريقيا.
ووفق روايات محلية وتقارير ميدانية، أصبحت الشاحنات المسلحة المزودة بالرشاشات الثقيلة المشهد الأكثر حضورًا في شوارع المدينة، بينما تغيب الحركة المدنية ليلًا بسبب التوتر الأمني والخوف من تجدّد الاشتباكات أو الضربات الجوية.
تحالف غير مسبوق بين الأزواد والجهاديين
التحالف الحالي بين الحركات الأزوادية وجماعة “نصرة الإسلام والمسلمين” يمثل تطورًا استثنائيًا في المشهد المالي، إذ إن العلاقة بين الطرفين اتسمت تاريخيًا بالتنافس أحيانًا وبالتنسيق المحدود أحيانًا أخرى.
غير أن تصاعد المواجهة مع المجلس العسكري في باماكو دفع الطرفين إلى توحيد الجهود ميدانيًا، خصوصًا بعد تصاعد العمليات العسكرية الحكومية المدعومة من شركاء أجانب.
وتشير المعطيات إلى أن الهدف المشترك للطرفين حاليًا يتمثل في إنهاك السلطة العسكرية وإضعاف نفوذها في الشمال، رغم استمرار الاختلافات الأيديولوجية والسياسية بين المشروع القومي الأزواي والمشروع الجهادي العابر للحدود.
وفي هذا السياق، قال أوماياتا أغ إمبريو، قائد سرية “إنتيبزاز”، إن “الحرب ما زالت مستمرة”، في رسالة تؤكد أن الفصائل المسلحة لا تنوي التراجع أو الدخول في تسويات قريبة.
المجلس العسكري في مواجهة أزمة متفاقمة
يواجه المجلس العسكري الحاكم في باماكو تحديات متزايدة منذ وصوله إلى السلطة عقب سلسلة الانقلابات التي شهدتها البلاد خلال السنوات الأخيرة.
ففي الوقت الذي وعدت فيه السلطات بإعادة الأمن ومحاربة الجماعات المسلحة، توسعت رقعة العنف بشكل غير مسبوق، خاصة بعد تدهور العلاقات مع القوى الغربية والاتجاه نحو تعزيز التعاون العسكري مع روسيا.
كما أن انسحاب بعثة الأمم المتحدة المتكاملة متعددة الأبعاد لتحقيق الاستقرار في مالي من البلاد ترك فراغًا أمنيًا كبيرًا استغلته الجماعات المسلحة بسرعة للتمدد والسيطرة على مناطق جديدة.
ويرى مراقبون أن خسارة كيدال تحمل بعدًا رمزيًا وعسكريًا خطيرًا، لأنها تكشف محدودية قدرة الجيش المالي على فرض سيطرته على الشمال رغم الدعم العسكري الخارجي.
فيلق إفريقيا ودور الحلفاء الروس
برز اسم “فيلق إفريقيا” خلال الأشهر الأخيرة باعتباره أحد أبرز الداعمين العسكريين للمجلس العسكري المالي، خاصة بعد تراجع دور مجموعة فاغنر الروسية بصيغتها السابقة.
وقد شاركت عناصر هذا الفيلق في عمليات قتالية شمال البلاد إلى جانب الجيش المالي، لكن الهجمات الأخيرة التي نفذتها الفصائل المسلحة أظهرت أن المعركة في الصحراء المالية لا تزال معقدة، وأن السيطرة على المدن لا تعني بالضرورة ضمان الاستقرار.
كما تتحدث تقارير أمنية عن خسائر بشرية ومادية تعرضت لها القوات المتحالفة مع باماكو خلال المواجهات الأخيرة، الأمر الذي زاد من حدة الانتقادات الداخلية لأداء السلطة العسكرية.
السكان بين الخوف والترقب
في ظل هذا الوضع، يعيش سكان كيدال حالة من القلق والترقب. فالحياة اليومية أصبحت مرتبطة بالإجراءات الأمنية وانتشار المسلحين، بينما تواجه المدينة تحديات اقتصادية وإنسانية متزايدة نتيجة تراجع الخدمات وصعوبة التنقل.
ويخشى كثير من الأهالي من أن تتحول المدينة إلى ساحة حرب مفتوحة طويلة الأمد، خاصة مع استمرار التهديدات المتبادلة بين الجيش المالي والتحالف المسيطر على المدينة.
كما أن غياب أي أفق سياسي واضح يزيد من احتمالات التصعيد، في وقت تبدو فيه جهود الوساطة الإقليمية والدولية عاجزة عن فرض تهدئة دائمة.
مستقبل غامض لمنطقة الساحل
تتجاوز تداعيات ما يحدث في كيدال حدود مالي، إذ تخشى دول الجوار من أن يؤدي استمرار الصراع إلى توسيع نفوذ الجماعات المسلحة في منطقة الساحل، التي تعاني أصلًا من هشاشة أمنية مزمنة.
ويرى محللون أن التحالف بين الفصائل الأزوادية والجماعات المتشددة قد يخلق واقعًا أمنيًا جديدًا يصعب احتواؤه، خصوصًا إذا طال أمد الحرب مع المجلس العسكري.
وفي ظل غياب حلول سياسية شاملة، تبدو كيدال اليوم عنوانًا لأزمة أعمق تعيشها مالي: أزمة دولة تكافح لاستعادة سلطتها، في مواجهة تحالفات مسلحة متغيرة ومشهد إقليمي شديد الاضطراب.
















