لم يكن خطاب رشاد العليمي في الذكرى السادسة والثلاثين لإعلان الوحدة بين الشمال والجنوب مجرد كلمة سياسية عابرة، أو احتفاء تقليدي بذكرى يعتبرها الجنوبيون، في واقعهم السياسي والشعبي، منتهية الصلاحية، ولم يعد لها حضور في وجدانهم أو وعيهم الجمعي، بعدما ارتبطت في الذاكرة الجنوبية بكل ما هو مؤلم ومأساوي من حروب وإقصاء وتهميش وصراعات.
فالخطاب بدا أقرب إلى إعلان سياسي يحمل ملامح مرحلة جديدة يجري التحضير لها في الجنوب، مستفيدًا من التحولات التي أعقبت أحداث حضرموت الأخيرة، وما رافقها من إعادة ترتيب للتوازنات العسكرية والسياسية تحت إشراف إقليمي مباشر.
ورغم اللغة الهادئة التي استخدمها العليمي، وحديثه المتكرر عن “الإنصاف” و”الشراكة”، فإن مضمون الخطاب كشف بوضوح عن محاولة لإعادة إنتاج مشروع الهيمنة على الجنوب، ولكن هذه المرة بصيغة أكثر دهاءً ونعومة؛ تقوم على الالتفاف السياسي بدلًا من المواجهة المباشرة، وعلى إعادة شرعنة سلطة ما بعد 1994 تحت عناوين جديدة مثل “حماية الدولة” ـ إن كانت هناك دولة فعلًا ـ و”الحفاظ على التماسك الوطني” و”منع التشظي”، في بلد يعيش أصلًا حالة انقسام وتناحر وتفكك عميق، ويجمع كل التناقضات السياسية والعسكرية والاجتماعية.
والمفارقة أن رئيس مجلس قيادة عاجز عن فرض الأمن والاستقرار حتى داخل المناطق الخاضعة لسلطته، يتحدث بثقة عن “الدولة” و”سيادة القانون”، بصورة تثير الكثير من علامات الاستفهام حول طبيعة الخطاب وأهدافه الحقيقية.
لقد حاول الخطاب الظهور بمظهر المتفهم للقضية الجنوبية، عبر الاعتراف بالمظالم والإقصاء الذي تعرض له الجنوب، غير أن هذا الاعتراف بدا أقرب إلى مناورة سياسية تهدف إلى احتواء الغضب الجنوبي، لا معالجة جذور القضية. نعم، تحدث العليمي عن “إنصاف الجنوب”، لكنه تجنب عمدًا الاعتراف بحق شعب الجنوب في تقرير مصيره، أو الإقرار بأن القضية الجنوبية لم تعد مجرد ملف حقوقي أو أزمة شراكة داخل إطار الوحدة، بل تحولت إلى قضية شعب يسعى لاستعادة دولته وهويته وقراره السياسي بعد عقود من الصراع والتهميش.
وفي الواقع، فإن أخطر ما في الخطاب ليس ما قيل فيه، بل ما يخفيه بين سطوره؛ إذ جاء متزامنًا مع متغيرات حساسة شهدتها حضرموت منذ يناير الماضي، تمثلت في:
. التدخل المباشر للمملكه العربيه السعوديه عسكريا وسياسيا في المشهد الجنوبي.
. إعادة هندسة التوازنات الأمنية والعسكرية في الجنوب.
. انسحاب القوات الجنوبية من حضرموت، وخروج الرئيس عيدروس الزبيدي من عدن.
. إقالة الزبيدي من مجلس القيادة الرئاسي، وحل المجلس الانتقالي الجنوبي في الرياض بتاريخ 9 يناير 2026.
. محاولات خلق واقع سياسي جديد يعيد تمكين القوى المرتبطة بمراكز النفوذ التقليدية السياسية والعسكرية والدينية.
ومن هنا يمكن فهم تركيز الخطاب على مفردات مثل “وحدة الوطن”، و”مركز الدولة القانوني”، و”رفض التمرد”، باعتبارها رسائل سياسية موجهة إلى الجنوب أكثر من كونها موجهة إلى الحوثيين. فالسلطة تدرك اليوم أن الخطر الحقيقي على مشروعها القديم لم يعد يأتي فقط من صنعاء، بل أيضًا من التحول العميق الذي شهده الوعي الجنوبي خلال السنوات الماضية، ومن تنامي القناعة الشعبية بأن الوحدة بصيغتها السابقة انتهت عمليًا، ولم تعد قابلة للحياة أو الاستمرار.
ومن خلال مجمل الخطاب والسياقات المحيطة به، يتضح أن هناك محاولة لاستغلال المتغيرات الأخيرة في حضرموت لإعادة فرض سياسة الأمر الواقع على الجنوب، وإعادة تقديم مشروع الوحدة باعتباره الخيار الوحيد الممكن، مع تغليف ذلك بخطاب المصالحة والشراكة، بينما الهدف الحقيقي يتمثل في إعادة إنتاج منظومة النفوذ القديمة بصورة جديدة.
غير أن ما تغفله هذه القوى هو أن الجنوب اليوم لم يعد كما كان قبل سنوات. فحجم التضحيات التي قدمها الجنوبيون، والدماء التي سالت، والتحولات السياسية والعسكرية التي نشأت على الأرض، صنعت واقعًا جديدًا لا يمكن القفز عليه أو اختزاله بخطاب سياسي مهما بدا ناعمًا أو تصالحيًا.
كما أن محاولة استبخاس تضحيات الجنوب، أو التعامل مع قضيته باعتبارها مجرد أزمة قابلة للاحتواء بالمناصب والتفاهمات المؤقتة، تمثل قراءة خاطئة وخطيرة في آنٍ واحد، لأنها تتجاهل حقيقة أن القضية الجنوبية أصبحت مشروعًا وطنيًا متجذرًا في الوعي الشعبي، لا مجرد موقف سياسي عابر أو ورقة مرتبطة بتوازنات إقليمية متغيرة.
إن أي محاولة لإعادة فرض الوصاية على الجنوب، أو الالتفاف على إرادة شعبه، أو استخدام الأدوات العسكرية والسياسية لفرض مشاريع لا تلبي تطلعاته في الحرية واستعادة دولته، لن تقود إلى الاستقرار كما يتوهم البعض، بل ستفتح الباب أمام مزيد من الاحتقان والصراع، لأن الشعوب التي دفعت أثمانًا باهظة من أجل حريتها لا يمكن أن تعود بسهولة إلى مربع التبعية أو القبول بإعادة إنتاج الماضي.
لقد أثبتت التجارب السابقة أن سياسة فرض الأمر الواقع، سواء بالقوة أو بالمناورات السياسية، لا تصنع سلامًا مستدامًا، وأن تجاهل إرادة الجنوب كان دائمًا أحد الأسباب الرئيسية لتعقيد الأزمة اليمنية، لا حلها.
ولهذا، فإن أي مشروع حقيقي للاستقرار والسلام لا يمكن أن يقوم على إعادة تدوير الهيمنة القديمة، أو مصادرة حق الجنوبيين في تقرير مستقبلهم، بل على الاعتراف الصريح بأن الجنوب يمتلك قضية سياسية عادلة، وإرادة شعبية واضحة، وحقًا مشروعًا في استعادة دولته وبناء مستقبله وفقًا لإرادة أبنائه.
أما الرهان على إنهاك الجنوب، أو تفكيك قواه، أو استغلال التحولات الإقليمية لإعادته إلى دائرة الوصاية، فهو رهان محفوف بالمخاطر، لأن شعب الجنوب أثبت خلال العقود الماضية أنه قادر على مقاومة محاولات الإخضاع كافة، وأن تمسكه بقضيته لم يعد مجرد شعار سياسي، بل خيارًا وجوديًا مستعد للدفاع عنه مهما كانت التضحيات والتكاليف.
د. محمود شائف
22 مايو 2026

















