أحدثت التقارير الاستخباراتية الأمريكية والإسرائيلية الصادرة مؤخرًا صدمة داخل أروقة مجتمعات الاستخبارات الغربية، بعدما كشفت أن طهران تعيد بناء ترسانتها من الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة بوتيرة متسارعة تخطت كافة الجداول الزمنية المتوقعة، مستغلةً فترة “وقف إطلاق النار” الهشة المستمرة منذ مطلع نيسان/أبريل 2026.
هذا التعافي السريع يضع علامات استفهام كبرى حول المدى الحقيقي للدمار الذي أحدثته الضربات الجوية المكثفة التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل خلال الحرب الأخيرة، ويتحدى تصريحات الرئيس دونالد ترامب السابقة التي أكد فيها أن هذه القدرات قد جرى “تحييدها وتدميرها”.
ركائز التعافي السريع.. كيف تفوقت طهران على التوقعات؟
تُعزي المصادر الأمنية تفوق الإيرانيين على الجداول الزمنية التي وضعتها وكالات الاستخبارات (IC) إلى ثلاثة عوامل رئيسية:
1. استراتيجية “الجبال والأنفاق المحصنة”
بينما ركزت الضربات الجوية على القواعد السطحية ومستودعات الدعم ومحيط المنشآت، فإن العمود الفقري لصناعة الصواريخ الإيرانية يقع في منشآت عميقة تحت الأرض (المدن الصاروخية) داخل مناطق جبلية وعرة (مثل مشروع “جبل الفأس” جنوب نطنز ومنشآت أصفهان). هذه الأنفاق نجت من القصف بشكل كامل تقريبًا، وبمجرد إزالة الركام والأنقاض من البوابات، عادت خطوط الإنتاج للعمل باستخدام الأجزاء والمكونات الناجية.
2. سلاسل التوريد الخلفية عبر “التحالف الدولي”
رغم الحصار البحري الصارم الذي تفرضه القوات الأمريكية، تستمر طهران في تلقي دعم تقني ومادي دقيق عبر مسارات بديلة:
الصين: تؤكد التقارير استمرار تدفق المكونات الإلكترونية والميكانيكية الحساسة والمواد الكيميائية اللازمة لإنتاج وقود الصواريخ الصلب.
روسيا: تسهم شحنات المكونات عبر بحر القزوين بشكل مباشر في تسريع خطوط تجميع الطائرات المسيّرة.
3. الفارق التكنولوجي بين الصاروخ والمسيّرة
بينما يتطلب تصنيع الصواريخ الباليستية المتطورة (مثل “خيبر شيكان” و”فتاح 1″) معدات معقدة للغاية تعرضت بعضها للتدمير (مثل الخلاطات الكوكبية للوقود الصلب)، فإن تصنيع الطائرات المسيّرة أسهل تكنولوجيًا ويعتمد على قطع تجارية مزدوجة الاستخدام؛ لذا تتوقع الاستخبارات الأمريكية أن تستعيد إيران قدرتها الكاملة على شن هجمات مسيّرة واسعة النطاق في غضون 6 أشهر فقط.
التداعيات السياسية والاستراتيجية
يأتي هذا التقرير في توقيت بالغ الحساسية، حيث يُلقي بظلال كثيفة من الشك على أي اتفاق سلام مرتقب بين الولايات المتحدة وإيران. وتُحذر قيادات عسكرية في تل أبيب من أن مسوّدة الاتفاق المطروحة حاليًا تغفل تمامًا معالجة البرنامج الصاروخي الإيراني وشبكة الوكلاء الإقليميين، مما يعني أن التهديد الموجه لدول الخليج وإسرائيل لا يزال قائمًا وبقوة، وقد يتجدد في أي مواجهة مستقبلية.
موجز الرؤية
لقد أثبتت التجربة الميدانية أن البنية التحتية العسكرية الإيرانية مصممة هندسيًا واستراتيجيًا لتحمل “حرب استنزاف جوية”، وأن تقييم نجاح العمليات العسكرية لا يُقاس بحجم الدمار اللحظي على السطح، بل بقدرة الخصم على إعادة التموضع والإنتاج في “اليوم التالي للحرب”.
تقديرات الأجهزة الأمنية الإسرائيلية
أشار التقرير إلى أن تقديرات الأجهزة الأمنية الإسرائيلية تفيد بأن إيران قادرة على إعادة بناء قدراتها في مجال الطائرات المسيّرة خلال أشهر، وعلى زيادة إنتاج الصواريخ الباليستية بشكل كبير خلال نحو عام أو أقل.
كما أوضحت القناة أن التقييمات الاستخباراتية المُحدّثة تشير إلى أن نحو ثلثي منصات إطلاق الصواريخ الإيرانية لا تزال تعمل، وهو ما يتعارض مع تقديرات سابقة خلال الحرب كانت تشير إلى تدمير نحو نصفها.
التقديرات الحالية
أضاف التقرير أن هناك تباينًا بين المسؤولين الاستخباراتيين الأميركيين والإسرائيليين بشأن المدة اللازمة لإعادة بناء القدرات العسكرية الإيرانية، حيث تتراوح التقديرات الحالية بين عدة أشهر وعدة سنوات، بدلًا من عقود كما كان يُعتقد سابقًا.
وفي سياق متصل، كانت القناة 12 قد ذكرت أمس أن مسؤولين إسرائيليين كبار حذروا من أن اتفاق السلام المقترح بين الولايات المتحدة وإيران، والمتوقع الإعلان عنه خلال الأيام المقبلة، لا يتناول برنامج الصواريخ الإيراني ولا شبكة الوكلاء الإقليميين التابعة لطهران.














