كاتب مصري / كريم شفيق
يشكل مفهوم المظلومية أحد أبرز مرتكزات الخطاب لدى الحركات الإسلاموية، وفي مقدمتها جماعة الإخوان منذ تأسيسها عام 1928. فهذا المفهوم لا يُستخدم باعتباره توصيفاً لحالة سياسية عرضية، إنّما يتحول إلى أداة بنيوية لإعادة إنتاج السردية التنظيمية، وإدارة الأزمات، وتبرير الإخفاقات، فضلاً عن توظيفه لجهة تسويغ العنف والقطيعة مع المجتمع. ذلك ما برز في أعقاب تجربة الحكم في مصر وما تلاها من إطاحة سياسية ومجتمعية عام 2013، إذ عاد خطاب المحنة إلى الواجهة بقوة. غير أنّ استدعاء المظلومية لم يكن جديداً؛ إذ لازم الجماعة منذ صداماتها مع السلطة في الأربعينيات والخمسينيات، مروراً بأزمة 1965، وصولاً إلى محطات لاحقة. في كل مرة تتعرض فيها الجماعة لانتكاسة سياسية، يُعاد إنتاج السردية ذاتها بغرض توليد العنف المقدّس والرؤية التطهرية الخلاصية من “المجتمع الجاهلي”.
هذا المنحى يتجاوز كونه أداة تعبوية؛ حيث إنّ المظلومية، في أدبيات الجماعة، تؤدي وظيفة مزدوجة؛ ترميم التصدعات الداخلية، وحشد القواعد عبر خطاب ديني مسيس ومؤدلج له دور تعبوي بينما يركز على مفاهيم “الاصطفاء” و”الابتلاء” و”الشهادة”. وتتجلى هذه البنية الخطابية بوضوح في كتابات المرشد المؤسس حسن البنا وسيد قطب، والأخير قدّم في كتابه: “معالم في الطريق” تصوراً حاداً للمجتمع المعاصر باعتباره يعيش “جاهلية” معاصرة تفوق وتتجاوز مثيلتها ما قبل الإسلام. في هذا السياق لا يعود الخلاف سياسياً أو إدارياً، بل يتحول إلى مفاصلة وجودية بين “عصبة مؤمنة” و”جيل قرآني” متخيلين مقابل مجتمع منحرف عن “الحاكمية الإلهية”. وبهذا المعنى تُستبدل العلاقة العضوية بالمجتمع بعلاقة صدامية، قوامها “العزلة الشعورية”
والاستعلاء الإيماني.
*الإخوان والاستعلاء الديني
الاستعلاء الديني لدى سيد قطب ليس حالة ظرفية ومرحلية ومؤقتة، بل هو شعور دائم يميز “الطليعة المؤمنة” ويجعلها في قطيعة تامية وبالكليّة عن محيطها المجتمعي، ولديها الجاهزية للتدمير والانقلاب. ومن هنا تتأسس ثنائية حادة: إيمان/جاهلية، دار إسلام، “سلام”/دار حرب، جماعة/مجتمع. هذه الثنائية التي تشرعن القطيعة تبعث في وجدان حواضن الجماعة وقواعدها مشاعر العنف بوصفه أداة تغيير. إذ إنّ المجتمع، حين يُعرّف باعتباره جاهلياً، يصبح موضوعاً لإعادة التأسيس لا شريكاً في المجال العام.
واللافت أنّ خطاب المظلومية لا يقتصر على لحظات المواجهة المباشرة، بل يُعاد توظيفه حتى في مراجعة أحداث تاريخية تثير استقطابات عديدة. ففي قضية إعدام العاملين المصريين خميس والبقري عام 1952، على سبيل المثال، أظهرت كتابات سيد قطب آنذاك تأييداً لاستخدام البطش ضد العمال المتهمين بالشيوعية. غير أنّ الخطاب الإخواني اللاحق أعاد توصيف الواقعة ضمن سردية مختلفة، تضع الجماعة في موقع الضحية، وذلك بعد 2013. هذا التحول يعكس مرونة السردية وبراغماتيتها وقدرتها على إعادة ترتيب الوقائع بما يخدم توسعة القاعدة الاجتماعية أو استمالة فئات لم تكن تاريخياً ضمن الحاضنة التنظيمية.
وهنا، يمكن أن نعرّج على المُنظّر الإخواني يوسف القرضاوي، في مقالاته حول “محنة 1965″، حيث قدّم تصوراً لافتاً يعتبر فيه أنّ المحنة كانت في حقيقتها “منحة” إلهية أعادت توجيه الجماعة إلى رسالتها. هذا المنطق يعيد تعريف القمع أو الفشل السياسي باعتباره اختباراً ربّانياً، بما يخلع على التجربة طابعاً قدرياً. وبهذا تنتقل المسؤولية من الفاعل السياسي إلى مشيئة إلهية، ويغدو النقد الذاتي فعلاً ثانوياً أمام خطاب الابتلاء. يتفق في ذلك القيادي التاريخي لإخوان تونس راشد الغنوشي في كتاباته عن العلاقة مع الدولة بوصفها صراعاً مع “تنين” أو “غول” على حد توصيفه ومدعوم بقوى الهيمنة. هذا التصوير الاستعاري الاستعماري يجعل الدولة ليست مؤسسة سياسية قابلة للإصلاح أو التفاوض، بل يجعلها كياناً قمعياً بحاجة لكفاح. فيقول إنّ “المشكل لا يتمثل في رفض الحركة الإسلامية الاعتراف والتعايش مع الدولة أو القبول بالمشاركة الجزئية فيها، وإنّما المشكل يتمثل في من يقنع هذا الغول المدعوم بأحدث تقنيات القمع والإخضاع، والمؤيد من قبل قوى الهيمنة المعادية لأمتنا وحضارتنا وكل الحضارات الأخرى، من يقنع هذا التنين بالتواضع والاعتراف بالشعب والآخر، من يروض هذا الوحش دون كفاح ناصب”.
*المظلومية كإطار إيديولوجي
في المحصلة، تبدو المظلومية في أدبيات الإسلام السياسي أكثر من مجرد رد فعل على قمع أو إقصاء؛ إنّها إطار تفسيري شامل، يربط بين التاريخ والراهن، وبين الدعوي والسياسي، وبين الدنيوي والمقدّس. من خلالها تُعاد صياغة الهزائم باعتبارها امتحاناً، وتُقدّم القطيعة مع المجتمع بوصفها مفاصلة عقدية، ويُبرر الانكفاء التنظيمي والكمون باعتباره تمهيداً لعودة “الطليعة المؤمنة”. غير أنّ هذا الخطاب، حين يتحول إلى بنية ثابتة، يفضي إلى نتيجتين متلازمتين: أولاهما تجميد النقد الذاتي عبر ردّ كل إخفاق إلى “مؤامرة” أو “ابتلاء”، وثانيتهما تغذية شعور دائم بالتهديد، يعزز منطق الاستقطاب ويضعف إمكانات التعايش. وبينما يوفر خطاب المظلومية طاقة تعبوية عنيفة، فإنّه يرسخ قطيعة معرفية وأخلاقية مع المجال العام، ويجعل من الصعب الانتقال من منطق الجماعة إلى منطق الدولة.
بهذا المعنى لا يمكن فهم مسار الحركات الإسلاموية من دون تفكيك خطاب المظلومية بوصفه آلية لإدارة الهوية والأزمة معاً. فهو ليس مجرد خطاب دفاعي، بل منظومة تفسيرية تؤسس لرؤية العالم، وتحدد طبيعة العلاقة مع الآخر، ومع المجتمع، ومع السلطة.
ويمكن القول إنّه منذ بروز تيارات الإسلام السياسي في المجال العام، تلازم مسارها العملي وخطابها النظري مع ما يمكن تسميته بـ “متلازمة المحنة”، الأمر الذي برز في الأدبيات المؤسسة كما تغلغل في البنية التربوية للتنظيمات، لجهة تأسيس وبناء شخصية مؤدلجة تميل إلى الانغلاق على الجماعة بوصفها هوية بديلة عن الأسرة والمجتمع، وتتعامل مع المحيط الخارجي بقدر من الريبة والممانعة. وعلى امتداد عقود لم تخلُ أدبيات الحركات الإسلاموية من استدعاء المظلومية بوصفها قدراً ملازماً لمسيرتها. فالمحنة محطة حتمية في طريق “التمكين” السياسي والإيديولوجي والحكم. وبذلك يُعاد تأطير الأزمات التنظيمية والسياسية ضمن سردية شمولية تجعل العضو داخل الجماعة مهيّأً نفسياً لتوقع الاضطهاد، بل اعتباره دليلاً على صوابية خياراته السياسية التي هي خيارات تتم بناء على حمولة إيمانية عقيدية.
من ثمّ، فالصدام مع السلطة أو المجتمع يُعاد تمثيله بوصفه امتداداً لصدام الدعوة المحمدية مع مشركي قريش، وفق سردية سيد قطب في “معالم في الطريق”، وذلك في عملية إسقاط تاريخي تمنح الحاضر بُعداً قدرياً. ومن ثمّ يغدو الصراع السياسي معركة عقدية، ويُنظر إلى التنظيم باعتباره “جماعة ربانية” تحمل رسالة مفارقة للتاريخ.
حسن البنا، المرشد المؤسس لجماعة الإخوان المسلمين، لم يُخفِ هذا المنحى. ففي “رسائل البنا” أشار صراحة إلى أنّ الدعوة ستواجه “خصومة شديدة وعداوة قاسية”. وفي رسالة “التعاليم” تحدث عن استخدام “القوة العملية حيث لا يجدي غيرها”، شريطة استكمال “عدة الإيمان والوحدة”. بل ذهب إلى حد توقع السجن والاعتقال والتشريد باعتبارها مراحل طبيعية في “دور التجربة والامتحان”، مستحضراً آيات الابتلاء لتأطير المحنة ضمن وعد إلهي بالنصرة.
يقول البنا في رسالة: “التعاليم”: إنّ المحنة حتمية، وكذلك العنف سيكون حتمياً وأمراً واقعاً شريطة استكمال وحدة الجماعة واصطفاف المؤمنين ووصولهم إلى “التمكين”. وتابع: “الإخوان المسلمون سيستخدمون القوة العملية حيث لا يجدي غيرها، وحيث يثقون أنّهم قد استكملوا عدة الإيمان والوحدة، وهم حين يستخدمون هذه القوة سيكونون شرفاء صرحاء، وسينذرون أوّلاً، وينتظرون بعد ذلك، ثم يقدمون في كرامة وعزة، ويحتملون كل نتائج موقفهم هذا بكل رضا وارتياح”.
هذه النزعة إلى الأسطرة تلتقي مع خصائص الإيديولوجيا ذات الطابع الديني، حيث يُستدعى التراث وتُمنح الشخصيات التاريخية إطاراً مقدّساً، وتُعاد قراءة الوقائع بما يخدم هدف الهيمنة الرمزية. فالأسطورة بوصفها رواية تفسر علاقة الإنسان بالكون أو بالنظام الاجتماعي تتقاطع مع الإيديولوجيا حين تسعى إلى تفسير شامل ومغلق للعالم يُقصي البدائل ويجرم الاختلاف.
في “معالم في الطريق” أعلن سيد قطب إفلاس الأنظمة الغربية والشرقية معاً، معتبراً أنّ البشرية “تقف على حافة الهاوية” بسبب انهيار منظومة القيم. ومن هذا التشخيص ينطلق إلى تعميم مفهوم “الجاهلية” على المجتمعات المعاصرة، بما فيها تلك التي تصف نفسها بالمسلمة، لأنّها لا تطبّق “الحاكمية الإلهية” في نظامها القانوني والسياسي. هذا التعميم يفتح الباب أمام تكفير الحاكم والمحكوم معاً، ويؤسس لفكرة “الطليعة” التي تقود “ثورة” أو “انقلاباً” لإعادة بناء المجتمع الإسلامي.
خطة الانتقال من “الجاهلية” إلى “المجتمع المسلم” عند قطب تقوم على إنشاء “جيل قرآني” يعيش حالة “عزلة شعورية” عن المجتمع القائم، ويتحرك لإزالته عبر عملية تغيير جذري. وفي بعض نصوصه يتقدم “السيف” بوصفه أداة حاسمة حين لا يكفي “البيان”. بهذا المعنى تتحول المظلومية إلى لحظة تعبوية، وتغدو المحنة محطة تمحيص وفرز تسبق التمكين.













