تقرير صحفي: عرب تايم: خاص:
في زمن أصبحت فيه المنصات مفتوحة للجميع، ظهر نوع جديد من البشر يمتلك قدرات خارقة لا توجد حتى في أفلام الخيال العلمي.
فهو خبير في السياسة، ومحلل اقتصادي، وقائد عسكري، ومفكر استراتيجي، وخبير قانوني، وناقد رياضي، ومهندس، وطبيب، وربما رائد فضاء احتياطي أيضاً!
إنه ذلك الشخص الذي يملك إجابة جاهزة لكل سؤال، ورأياً حاسماً في كل قضية، وحلولاً سحرية لكل أزمة، لكنه عندما يسأل عن إنجازاته الشخصية يدخل في صمت عميق يشبه انقطاع الكهرباء في العاصمة عدن.
يقول المثل: “كثرة الطباخين تفسد الطبخة”، لكن بعض هؤلاء يريدون أن يكونوا الطباخ وصاحب المطعم ومفتش الصحة في الوقت نفسه، بينما المطعم بأكمله لا يزال مغلقاً بسبب غياب أي إنتاج حقيقي.
ومن الأمثال التي تنطبق عليهم أيضاً: “ليس كل ما يلمع ذهباً”.
فبعض الأشخاص يلمعون بالكلمات والشعارات والخطب الرنانة، لكنك عندما تبحث عن أثر ملموس لما يقولون لا تجد سوى آثار أقدام تدور في المكان نفسه منذ سنوات.
المفارقة المضحكة أن هؤلاء لا يعانون من نقص الثقة بالنفس، بل من فائض هائل فيها.. فهم يتحدثون عن النجاحات التي سيحققونها غداً أكثر مما يتحدث الناجحون عن الإنجازات التي حققوها بالأمس، ويشرحون للناس كيف تدار الدول، بينما يعجزون عن إدارة أبسط شؤونهم الخاصة.
وكما يقول المثل الشعبي: “الفعل أبلغ من القول”.
لكن يبدو أن بعض الناس قرروا إلغاء هذا المثل من القاموس واستبداله بشعار جديد: “القول ثم القول ثم القول… أما الفعل فلاحقاً”.
إن الخطر الحقيقي لا يكمن في كثرة الكلام، بل في أن صاحبه يبدأ بتصديق روايته الخاصة. فيتحول من شخص يبالغ في وصف نفسه إلى شخص مقتنع تماماً بأنه عبقري مظلوم لم يكتشف العالم عظمته بعد.
ولعل أغرب ما في الأمر أن أصحاب الإنجازات الحقيقية غالباً ما يتحدثون قليلاً ويعملون كثيراً، بينما أصحاب الإنجازات الوهمية يعملون قليلاً ويتحدثون كثيراً.
الشجرة المثمرة يعرفها الناس من ثمارها، أما الشجرة اليابس فلا تملك سوى أوراقها اليابسة.
وفي النهاية التقرير الصحفي، يبقى الواقع أكثر قسوة من الخطب وأكثر صدقاً من الادعاءات.. الناس قد تنبهر بالكلمات لبعض الوقت، لكنها تحكم في النهاية بالأفعال والنتائج.
وعندها يظهر الفرق بين من صنع إنجازاً حقيقياً، ومن قضى عمره خبيراً في كل شيء… إلا في إنجاز شيء.
فالضجيج قد يجذب الانتباه، لكنه لا يصنع تاريخاً، والادعاء قد يرفع الصوت، لكنه لا يرفع القيمة، أما الإنجاز الحقيقي فلا يحتاج إلى مكبرات صوت، لأنه يتحدث عن نفسه بنفسه.
إعداد:
الناشط الحقوقي، أسعد أبو الخطاب، نائب رئيس تحرير صحيفتي «عدن الأمل» و «عرب تايم»، ومحرر في عدد من المواقع الإخبارية.

















