شهد الجنوب منحنًى استراتيجيًا حاسمًا في مسار قضية الشعب العادلة، تجسد في “مليونية رفض الوصاية ومناهضة الاحتلال”.
لم يكن هذا الحشد الشعبي الهائل مجرد استعراض للقوة الجماهيرية في الشارع، بل جاء بمثابة إعلان سياسي محكم الصياغة، وحمل موثقًا وطنيًا بالغ القوة يقطع الطريق أمام كافة المحاولات الإقليمية والدولية الساعية لإعادة هندسة المشهد الجنوبي بعيدًا عن تطلعات أبنائه.
فقد وجّهت الجماهير عبر هذا الاحتشاد رسالة قطعية مفادها أن الإرادة الشعبية غير قابلة للمساومة، وأن زمن تمرير المشاريع المفروضة خلف الغرف المغلقة قد ولى دون رجعة.
تأتي الأهمية الاستراتيجية لهذه المليونية من كونها ردًا دفاعيًا مباشرًا ومستبقًا لخطط “التصفية الهادئة” التي تُحاك ضد المشروع الوطني الجنوبي.
وتحاول بعض القوى والنفوذ الإقليمي وتحديدً السعودية، استخدام أدوات الوصاية السياسية والضغوط الاقتصادية وحرب الخدمات لتفكيك عناصر القوة التي اكتسبها الجنوبيون عقب تضحيات جسيمة.
الوعي الجمعي في الجنوب أدرك مبكرًا خطورة هذه التحركات، فتحرك ليعيد التأكيد على الثوابت، فلا يمكن القبول بأي تسويات تسلب الجنوب حقه في إدارة أرضه ومقدراته، أو تضعه تحت وصاية تخدم مصالح قوى الشمال التقليدية أو أطرافًا خارجية تلتقي مصالحها على إبقاء الجنوب بيئة تابعة ومستنزَفة.
وفي عمق الرسائل السياسية للحشد، برز التمسك الشعبي الصارم بالكيان السياسي الشرعي والوحيد للجنوب، متمثلاً في المجلس الانتقالي الجنوبي العربي.
واعتبرت الجماهير أن محاولات استهداف المجلس أو محاولة خلق كيانات موازية وهشة لشق الصف، إنما هي مؤامرة مكشوفة تهدف إلى ضرب الركيزة المؤسسية الهادفة لاستعادة الدولة.
ومن هنا، تجدد التفويض الشعبي المطلق لرئيس المجلس، سيادة الرئيس القائد عيدروس قاسم الزُبيدي، باعتباره المفوّض الشرعي والربان القادر على قيادة السفينة في هذه المرحلة المعقدة، والتأكيد على أن المساس برمزية القيادة أو محاولة القفز عليها في الطاولات التفاوضية هو مساس مباشر بالمشروع الوطني بأكمله.
“مليونية رفض الوصاية” وضعت المعادلة السياسية في نصابها الصحيح؛ فالقوات المسلحة الجنوبية والالتفاف الشعبي العارم يمثلان صمام الأمان الذي يستحيل تجاوزه.
ولم يعد مجديًا لأي طرف المراهنة على سياسة النفس الطويل أو الحصار الاقتصادي لكسر إرادة الجنوبيين، بل إن هذا التلاحم يمنح القيادة السياسية بزعامة الرئيس الزُبيدي أوراق قوة استراتيجية لرفض أي إملاءات انتقاصية، وفرض قضية شعب الجنوب كركيزة أساسية ومستقلة في أي مسار للحل الشامل، بعيدًا عن عباءة الوصاية ومربعات التبعية.















