تقف الساحة السياسية والأمنية في الجنوب العربي اليوم أمام منزلق خطير يهدد بتقويض كافة الجهود المبذولة في مكافحة الإرهاب وتثبيت دعائم الاستقرار.
يتجسد هذا التهديد في الترتيبات الجارية لإبرام صفقة مشبوهة تقودها سلطات الوصاية السعودية، والتي تقضي بإطلاق سراح ثمانية من أخطر العناصر الإرهابية المتورطة وثبوت إدانتها في جرائم اغتيال وتصفية عدد من أبرز القادة والرموز الجنوبية.
هذه المقايضة المرفوضة، التي تعتزم الرياض بموجبها تسليم هؤلاء القتلة مقابل الإفراج عن طيارين سعوديين أسرى لدى مليشيا الحوثي المدعومة إيرانياً، تمثل طعنة غادرة في خاصرة المشروع الوطني الجنوبي، وتكشف عن استرخاص دماء الجنوبيين وتوظيف ملف الإرهاب الحساس لخدمة مصالح وتفاهمات إقليمية ضيقة على حساب أمن واستقرار المنطقة برمتها.
تتحمل سلطات الوصاية السعودية المسؤولية القانونية والأخلاقية الكاملة عن التداعيات الكارثية التي ستنتج عن هذه الجريمة الممنهجة في حال إتمامها.
فعلى الصعيد القانوني، يُعد إطلاق سراح إرهابيين محكومين أو متورطين في عمليات اغتيال سياسي انتهاكاً صارخاً للمواثيق الدولية المعنية بمكافحة الإرهاب، وخرقاً للالتزامات المفترضة.
أما على الصعيد الأخلاقي، فإن هذه الخطوة تمثل استخفافاً بآلام أسر الضحايا ودماء الشهداء الأبرار الذين قدموا أرواحهم في ميادين الشرف.
الإصرار على تمرير هذه الصفقة يسقط القناع عن السياسات التي تنتهجها سلطة الأمر الواقع، ويثبت بالدليل القاطع تغاضيها عن حماية المجرمين وتسهيل إفلاتهم من العقاب، مما يمنح الجماعات المتطرفة ضوءاً أخضر لمعاودة نشاطها الإجرامي واستهداف القيادات الجنوبية من جديد.
ولا تقتصر مخاطر هذه الصفقة السياسية على الداخل الجنوبي فحسب، بل تمتد لتشمل تهديداً مباشراً للأمن الإقليمي والدولي؛ حيث إن إعادة تمكين هذه العناصر المتطرفة ومنحها الحرية تحت غطاء التفاهمات مع الحوثيين سيسهم في إنعاش خلايا تنظيمَي القاعدة وداعش، وإشعال فتيل الفوضى في واحدة من أهم الرقع الجغرافية المشرفة على خطوط الملاحة الدولية.
وبناءً على هذه المعطيات الخطيرة، يُطلق الجنوب العربي نداءً عاجلاً ودعوة صريحة إلى المجتمع الدولي، والأمم المتحدة، ومجلس الأمن، والمنظمات الحقوقية الكبرى، للتدخل الفوري والضغط الجاد على السلطات السعودية لوقف هذه الصفقة اللاإنسانية والمخالفة للقانون الدولي، ومطالبتها باحترام سيادة القضاء والملفات الأمنية الجنوبية.
شعب الجنوب، الذي خاض ولا يزال يخوض بدعم من قواته المسلحة الباسلة حرباً ضارية وضبطاً حاسماً ضد الإرهاب العابر للحدود، لن يقف مكتوف الأيدي أمام محاولات مقايضة دمائه الزكية؛ ويؤكد المحتشدون والثوار في مختلف الميادين أن فرض الترتيبات الأحادية والتفرد بالقرار من قبل سلطات الوصاية لن يؤدي إلا إلى تأزيم الموقف وتسريع وتيرة التصعيد الشعبي والثوري.
وبات لزاماً الإدراك بأن التهاون مع مثل هذه الصفقات المشبوهة يهدد بنسف الشراكة الأمنية، وأن أي صيغة سلام تتجاوز تطلعات شعب الجنوب وحق أولياء الدم في القصاص العادل لن تزيد المشهد إلا تعقيداً، ولن تحصد منها قوى الهيمنة سوى الفشل التام أمام صلابة الإرادة الجنوبية.















