شهدت العاصمة عدن، إلى جانب محافظات حضرموت وسقطرى والمهرة، تحولًا استراتيجيًا بارزًا في مسار الحركة الوطنية الجنوبية، حيث لم يعد السابع من يوليو مجرد ذكرى سنوية لاستذكار آلام اجتياح صيف عام 1994م، بل تحوّل بفعل الإرادة الشعبية الصلبة إلى محطة لانطلاق مرحلة جديدة من “التصعيد الثوري المفتوح” الذي يهدف إلى انتزاع السيادة الكاملة.
جاءت “مليونية التصعيد ضد الوصاية” في ساحة العروض بخور مكسر، لتضع حدًا للمناورات السياسية الإقليمية والدولية، وتعلن بوضوح أن الإرادة الشعبية للجنوب العربي هي الرقم الصعب الذي لا يمكن تجاوزه في أي معادلة سياسية أو أمنية، مهما تباينت الأجندات وتعددت الضغوط الخارجية.
دلالات الحشد الجماهيري: رفض الوصاية وتجديد العهد
تكمن الأهمية التحليلية لهذا الحشد البشري الهائل في دلالاته التوقيتية والسياسية بالغة الحساسية، فالجنوبيون الذين توافدوا من كافة المحافظات أعلنوا صراحةً رفضهم القاطع لأي محاولات للوصاية الخارجية أو المساعي الرامية إلى تفكيك نسيجهم الاجتماعي من خلال دعم كيانات هلامية ومجالس تنسيقية لا تمثل تطلعاتهم.
ومن خلال الكلمات الصارمة لقيادات المجلس الانتقالي، وفي مقدمتهم الشيخ عبدالرب النقيب ووضاح الحالمي، وجّه الجنوب رسالة حاسمة ومباشرة إلى كافة الأطراف الإقليمية والدولية المعنية، مؤكدين أن لا عودة مطلقًا إلى نفق الوحدة المظلم، ولا مساومة على ثروات الجنوب وممراته المائية الاستراتيجية.
يمثل هذا الخطاب الهجومي مغادرة رسمية لمربع الدبلوماسية الحذرة التي اتسمت بها المرحلة السابقة، ودخولًا في مرحلة فرض الأمر الواقع الذي يسعى لاستعادة الدولة الفيدرالية كاملة السيادة على حدود ما قبل 22 مايو 1990م، كهدف وجودي لا رجعة عنه مهما بلغت التحديات.
أمن الجنوب وخطوط المواجهة الاستراتيجية
لم يغفل الزخم الجماهيري والسياسي لهذه المليونية الأبعاد الأمنية العميقة التي تهدد الاستقرار الوطني، حيث أدان المشاركون بشدة محاولات تقويض القوات المسلحة الجنوبية، واستهداف رموزها عبر حملات الاعتقال الممنهجة والضغوطات العسكرية التي تشنها قوى سلطات الأمر الواقع.
تضمنت البيانات والكلمات الملقاة في الفعالية تحذيرًا جنوبيًا بالغ الخطورة من مساعي إعادة تمكين التنظيمات الإرهابية، ومحاولة دمج أطراف متهمة بجرائم حرب في تسويات سياسية مشبوهة، معتبرين أن هذه الممارسات لا تخدم سوى قوى احتلال عام 1994 ومليشيا الحوثي المدعومة من طهران.
أكدت القيادات الميدانية والسياسية أن الحفاظ على المكتسبات العسكرية الجنوبية يعد أولوية قصوى لا تقبل التجزئة، وأن أي محاولة لاختراق الجبهة الداخلية ستواجه بصلابة شعبية وعسكرية لا تلين، خاصة في ظل المؤامرات التي تستهدف أمن واستقرار المدن المحررة.
تجديد التفويض الشعبي للقيادة السياسية
نجحت المليونية في تجديد التفويض الشعبي المطلق للمجلس الانتقالي الجنوبي بقيادة الرئيس القائد عيدروس الزُبيدي، واضعةً المجتمع الدولي والأمم المتحدة أمام مسؤولياتهم القانونية والأخلاقية للاعتراف بحق شعب الجنوب في تقرير مصيره وإنهاء حالة الغموض السياسي التي تعيق مسار السلام العادل.
أثبت “طوفان عدن” البشري أن سياسات التجويع الممنهج وحرب الخدمات التي تستهدف المواطن الجنوبي في معيشته قد فشلت تمامًا في ثني الجماهير عن هدفها الاستراتيجي، وأن برنامج التصعيد الثوري الجاري لن ينكسر أو يتراجع إلا بانتزاع الاستقلال الكامل وحماية المكتسبات الوطنية.
ستظل دماء الشهداء هي البوصلة الوحيدة التي تُرسم بها خارطة المستقبل لجنوب حر ومستقر، حيث تعهد الحشود بمواصلة النضال السلمي والعسكري حتى تحقيق كافة أهداف الثورة الجنوبية، مؤكدين أن إرادة الشعوب الحرة أقوى من كافة المؤامرات والمخططات التي تحاك خلف الكواليس لإبقاء القضية الجنوبية رهينة للتسويات الهشة.

















