تشهد الساحة السياسية في الجنوب العربي مرحلة مفصلية تتسم بتصاعد الوعي الشعبي والرفض الحازم لكافة أشكال الوصاية الخارجية.
فالضغوطات والممارسات المستمرة التي تمارسها السعودية لمحاولة فرض تسويات وتفاهمات لا تلبي تطلعات الشعب الجنوبي، لم تؤدِ إلى إضعاف العزيمة الجنوبية كما كان مخططاً لها؛ بل على العكس تماماً، تحولت تلك الضغوطات إلى قوة دفع وطنية كبرى، أدت إلى اصطفاف واحتشاد الشارع الجنوبي بكافة أطيافه السياسية والاجتماعية خلف قيادته ومجلسه الانتقالي، معلنين رفضهم القاطع لأي محاولات لمصادرة قرارهم السيادي.
لجوء السعودية إلى أساليب الحصار الاقتصادي، وقطع المرتبات، وتمرير مشاريع سياسية تهدف إلى إعادة تدوير قوى الاحتلال التقليدية في مفاصل الجنوب، قد ضرب في مقتل جوهر تلك المخططات والمؤامرات.
والرهان على كسر إرادة المواطن الجنوبي عبر سياسة التجويع أو التضييق في الخدمات الأساسية أثبت فشله الذريع؛ إذ قوبلت هذه السياسات بهبة شعبية عارمة تمثلت في التظاهرات الحاشدة والفعاليات الجماهيرية التي جابت مختلف المحافظات الجنوبية، لتوجه رسالة واضحة لا لبس فيها للداخل والخارج: “القرار قرارنا، والسيادة لا تُباع ولا تُشترى”.
وتكشف الممارسات الأخيرة في حضرموت والمحافظات الشرقية محاولة مستمرة لتفتيت الجسد الجنوبي وخلق كيانات كرتونية موازية لإضعاف الموقف التفاوضي للجنوب العربي.
ومع ذلك، فإن هذا الالتفاف الجماهيري المتعاظم قد أجهض هذه المحاولات في مهدها، مما جعل أدوات تلك المؤامرات معزولة عن بيئتها الحاضنة وغير قادرة على فرض أي واقع جديد على الأرض.
فالشارع الجنوبي بات اليوم أكثر وعياً وإدراكاً لخطورة هذه المرحلة، وهو ما جعل الجبهة الداخلية محصنة ضد كل أساليب الترغيب والترهيب، مما وضع مهندسي السياسات الإقليمية في مأزق حقيقي وأجبرهم على إعادة حساباتهم أمام صخرة الصمود الشعبي.
المشهد الراهن في الجنوب العربي يؤكد أنّ الإرادة الشعبية هي الضمانة الحقيقية لحماية المكتسبات الوطنية وإفشال مشاريع التبعية والوصاية. فاحتشاد الجماهير وتلاحمها في هذه اللحظة التاريخية لا يمثل مجرد رد فعل مؤقت، بل هو خيار استراتيجي صلب يؤسس لمرحلة جديدة من انتزاع الحقوق وبناء الدولة الفيدرالية المستقلة، مما يثبت للعالم أجمع أن محاولات فرض الإملاءات الخارجية ستتحطم دائماً أمام وعي وتماسك شعب الجنوب العربي الأبي.













