كتب/ ايادالعبيدي:
الديمقراطية ليست وصفة جاهزة تُستورد أو تُفرض من أعلى، بل هي عملية تراكمية تنمو مع تطور الفكر السياسي والاجتماعي داخل المجتمعات. إنها ثمرة الوعي، والتجربة، والانفتاح على قيم التعدد والتسامح والمساءلة.
ولكي تنضج الديمقراطية، لا بد أن يمارسها الناس على الأرض، لا كمجرد شعارات أو نصوص دستورية، بل كسلوك يومي يبدأ من الأسرة، ويمتد إلى المدرسة، والمؤسسات، وصولًا إلى إدارة الدولة. إنها رحلة من التجريب، قد يشوبها الفشل أحيانًا، لكن الفشل هنا ليس نقيضًا للنجاح، بل هو جزء من عملية النضج السياسي والاجتماعي.
غير أن المشكلة لا تكمن فقط في قلة الممارسة، بل في غياب ثقافة تربّي الأفراد على تحمّل المسؤولية الفردية والجماعية. حين لا يُعلَّم الإنسان منذ صغره معنى أن يكون مسؤولًا عن قراراته، عن كلمته، عن صوته في الانتخابات، عن مشاركته في الشأن العام، يتحوّل إلى كائن هامشي، يتنازل بسهولة عن حقوقه، أو يُستَغل من قِبَل النخب السياسية أو الجماعات الشعبوية التي توظف الخطاب الديمقراطي لخدمة مصالحها الضيقة. الأسوأ من ذلك أن بعض الأنظمة أو القوى تنجح في تطويع الشكل الديمقراطي لإخفاء جوهر استبدادي، مستخدمة مفاهيم الحرية والتعدد كواجهة تخدع البسطاء.
لا بد أن نُدرك أن الديمقراطية لا تنمو في الفراغ، بل تحتاج إلى بيئة حاضنة: تعليم نقدي، إعلام حر، مجتمع مدني حي، مؤسسات قوية، وقبل كل ذلك، إنسان واعٍ يعرف أن الحرية ليست فوضى، وأن الحقوق لا تنفصل عن الواجبات.
الديمقراطية مشروع طويل الأمد، يبدأ من الفرد وينعكس على الجماعة، وكلما عمّقنا جذورها في الثقافة العامة، قلّت فرص الانزلاق نحو الاستغلال أو الفساد باسمها.
الديمقراطية ليست نهاية الطريق، بل بدايته. ليست نظامًا نهائيًا، بل مشروعًا دائمًا للتطوير والتصحيح والتجديد. تنجح الديمقراطية حين يتحوّل الوعي الفردي إلى سلوك جماعي، وحين يكون المواطن فاعلًا لا تابعًا، ناقدًا لا صامتًا، محاورًا لا محاربًا. بين الفكر والممارسة، وبين التجريب والنجاح، تترسّخ الديمقراطية كخيار لا رجعة فيه، وكوسيلة حضارية لتنظيم الخلاف، وصناعة المستقبل.

















