لم تكن لحظة تحرير العاصمة الجنوبية عدن مجرد محطة عسكرية في سياق حرب عابرة، بل شكّلت تحوّلا تاريخيا أعاد رسم ملامح الهوية الوطنية الجنوبية، وأطلق مرحلة جديدة من الوعي السياسي والشعبي.
ففي تلك اللحظة التي انكسرت فيها جحافل المليشيات الحوثية على أسوار المدينة، لم تُستعد الأرض فقط، بل استعاد الجنوبيون ثقتهم بأنفسهم وبحقهم في تقرير مصيرهم وصناعة مستقبلهم.
ومع حلول الذكرى السنوية الحادي عشر لتحرير عدن، تتجدد في الوجدان لكل الجنوبي صورة المدينة التي نهضت من تحت ركام الحرب لتعلن بداية فصل جديد من تاريخ الجنوب . حيثها لم يكن ذلك النصر مجرد معركة انتهت بانسحاب قوة غازية، بل كان إعلانًا عمليا عن عودة الروح إلى مشروع وطني ظل حيا في وجدان شعب الجنوب رغم سنوات الصراع والتحديات.
كما ان عسكريا، مثّل تحرير العاصمة عدن نقطة انعطاف حاسمة في موازين القوى. فقد أثبتت القوات والمقاومة الجنوبية قدرتها على خوض المعارك المصيرية بكفاءة عالية وتنظيم محكم، لتتحول عدن إلى أول معقل تتحطم عنده مشاريع التوسع التي حاولت فرض واقع جديد في المنطقة.
ومن تلك اللحظة، أصبح واضحا أن الجنوب يمتلك قوة ميدانية قادرة على حماية أرضه وصون إرادة شعبه.
أما في الشأن السياسي، فقد فتح هذا الانتصار الباب أمام واقع جديد في معادلات المنطقة ، إذ تحولت عدن إلى مركز سياسي محوري، وبرز الجنوب لاعبا لا يمكن تجاوزه في أي نقاش يتعلق بمستقبل اليمن والمنطقة.
وبفضل هذا التحول، انتقل الصوت الجنوبي من دائرة التهميش إلى فضاء التأثير في المعادلات الإقليمية والدولية.
وعلى المستوى الوطني، جسّد تحرير العاصمة عدن صورة نادرة من وحدة المصير الجنوبي. فخلف أسوار هذه المدينة الساحلية، التقت تطلعات أبناء الجنوب من المهرة شرقا إلى باب المندب غربًا، في لحظة تاريخية أعلنت بوضوح أن قضية الجنوب لم تعد مجرد مطلب سياسي، بل مشروع شعب كامل يسعى لاستعادة دولته وبناء مستقبله.
وان الحفاظ على هذا الإنجاز التاريخي لا يقل أهمية عن تحقيقه فالنصر العسكري يحتاج إلى حماية دائمة عبر تحصين الجبهة الداخلية وتعزيز التلاحم الشعبي خلف القوات المسلحة الجنوبية، باعتبارها الدرع الذي يحمي الأمن والاستقرار ويصون تضحيات الشهداء.
ويرى مراقبون أن تحويل هذا الانتصار إلى استقرار دائم يتطلب أيضا نقل روح النصر من ميادين القتال إلى ميادين البناء والتنمية. فترسيخ مؤسسات الدولة وتحسين الخدمات يمثلان خطوة أساسية لترسيخ الثقة لدى المواطن الذي كان الحاضنة الأولى للمقاومة وأحد أهم عوامل صمودها.
وفي هذا الصدد ، يؤكد مغردون جنوبيون على مواقع التواصل الاجتماعي أن ذكرى تحرير عدن ليست مناسبة للاحتفال فحسب، بل لحظة لاستحضار التضحيات وتجديد العهد بحماية المدينة.
وحيث كتب أحد المغردين سلسلة من التغريدات وقال الصحفي عادل الحنشي في تغريدته ان : “عدن لم تتحرر فقط بالسلاح، بل بإرادة شعب رفض أن تنكسر مدينته، ولهذا سيبقى أمنها خطًا أحمر لكل الجنوبيين.”
ويضيف الصحفي حمدي العمودي بقوله ان : “حماية عدن اليوم تعني حماية حلم الجنوب كله، لأن سقوطها لا قدر الله يعني فتح الباب أمام الفوضى من جديد.”
كما يشدد ناشطون جنوبيون على أن اليقظة الأمنية تظل عنصرًا حاسمًا في الحفاظ على هذا الاستقرار، في ظل محاولات متكررة من قوى الإرهاب والفوضى لإعادة إنتاج الفوضى عبر الخلايا النائمة ومحاولات زعزعة الأمن المجتمعي بعد فشلها في الميدان العسكري
وأشاروا تكتسب عدن أهميتها الاستراتيجية من موقعها الجغرافي الذي يجعل استقرارها عاملًا مؤثرًا في أمن المنطقة بأكملها فاستقرار العاصمة الجنوبية لا ينعكس على محافظات الجنوب فحسب، بل يمتد تأثيره إلى حماية خطوط الملاحة الدولية في خليج عدن وباب المندب، وهي الممرات التي تشكل شريانًا حيويًا للتجارة العالمية
.
وتابعوا بالقول ومع مرور الأعوام، تظل ذكرى تحرير عدن أكثر من مجرد ذكرى عسكرية؛ إنها بوصلة سياسية ووطنية تذكّر الجنوبيين بأن الطريق نحو المستقبل يبدأ بالحفاظ على ما تحقق من إنجازات، وبمواصلة العمل لبناء دولة قادرة على حماية أمنها وتحقيق تطلعات شعبها.
وهكذا تبقى العاصمة عدن، التي قاومت الحرب وخرجت منها أكثر صلابة، رمزًا لولادة جديدة في تاريخ الجنوب، وعاصمةً لقرار سياسي يسعى إلى السيادة والاستقرار، وحصنا يذكّر الجميع بأن الدول التي تُحرَّر بإرادة شعوبها لا يمكن أن تُكسر مرة أخرى.
















