تُعد قاعدة الأمير سلطان الجوية واحدة من أهم القواعد العسكرية الجوية في المملكة العربية السعودية، حيث تقع في موقع استراتيجي متميز جنوب شرق مدينة الخرج، وتُعرف دوليًا بالكود الإطاري (OEPS) وبالرمز العسكري (PSAB)، وقد افتتحت القاعدة رسميًا في الثامن من شهر ربيع الأول لعام 1420هـ، لتشكل منذ ذلك الحين حجر الزاوية في منظومة الدفاع الجوي السعودي والتعاون العسكري الدولي، وشهدت القاعدة تاريخًا حافلًا بالنشاط العملياتي، لا سيما خلال فترات التوتر الإقليمي، حيث احتضنت وجودًا عسكريًا أمريكيًا ودوليًا كبيرًا شارك في عمليات محورية مثل “المراقبة الجنوبية” و”الحرية الدائمة” و”حرية العراق”، وتمثل الحضور الدولي حينها في وحدات طيران متطورة شملت طائرات “إي إيه-6 بي براولر” التابعة للبحرية الأمريكية، ومقاتلات “بانافيا تورنادو” البريطانية، وطائرات “داسو ميراج” الفرنسية، بالإضافة إلى طائرات التزود بالوقود الاستراتيجية، مما جعل من القاعدة مركزًا عالميًا لإدارة العمليات الجوية المعقدة وتنسيق الجهود الدولية لحفظ الأمن والاستقرار في منطقة الخليج العربي والشرق الأوسط.
ارتبط اسم قاعدة الأمير سلطان الجوية بتحولات كبرى في خارطة التواجد العسكري الأجنبي في المنطقة، ففي أعقاب تفجير أبراج الخبر عام 1996، نُقلت جميع أنشطة سلاح الجو الأمريكي من الظهران إلى هذه القاعدة لتوفير بيئة أكثر أمنًا وتحصينًا، ومع ذلك، حافظت المملكة العربية السعودية على سيادتها الكاملة من خلال اشتراط أن تقتصر مهام القوات الحليفة المتمركزة في القاعدة على الطابع الدفاعي واللوجستي، مثل الإنذار المبكر، والاستطلاع، والحرب الإلكترونية، وقمع الدفاعات الجوية للعدو، والاعتراض الجوي، مع حظر انطلاق العمليات الهجومية المباشرة ضد دول الجوار من أراضيها مراعاة للحساسيات العربية والإقليمية، وقد تطورت القاعدة لتصبح مقرًا لقوة المهام المشتركة لجنوب غرب آسيا ومركز قيادة العمليات الجوية المشتركة، وهو المركز الذي أدار ببراعة كافة العمليات الجوية للتحالف خلال الحروب الكبرى في المنطقة، قبل أن تنتقل أغلب هذه العمليات إلى قاعدة العديد في قطر بمنتصف عام 2003، لتعود القاعدة مرة أخرى للواجهة في أكتوبر 2019 مع تعزيزات أمريكية ضخمة شملت مقاتلات شبح وبطاريات صواريخ باتريوت لمواجهة التهديدات الأمنية المحدقة بالملاحة الدولية.
التنظيم العملياتي والاستخدام الحالي للأجنحة والأسراب السعودية في القاعدة
تعتبر قاعدة الأمير سلطان الجوية في الوقت الراهن مقرًا رئيسيًا لعدد من الأجنحة والأسراب الحيوية التابعة للقوات الجوية الملكية السعودية، والتي تضطلع بمهام سيادية رفيعة المستوى تشمل المراقبة، والاستطلاع الإلكتروني، والنقل الجوي الاستراتيجي، فمن خلال “الجناح السادس”، يتم تشغيل السرب 18 المختص بطائرات “بوينغ E-3A سينتري” المجهزة بنظام (AWACS) للإنذار المبكر، والسرب 19 الذي يستخدم طائرات متطورة للاستخبارات الإشارية والاستطلاع، كما يبرز دور “الجناح الرابع” الذي يضم أسرابًا مخصصة للتزود بالوقود جويًا ونقل القوات، مثل السرب 24 الذي يشغل طائرات “إيرباص A330 MRTT” والسرب 32 الذي يستخدم طائرات “لوكهيد هيركوليس” الشهيرة، مما يعزز من قدرة القوات الجوية السعودية على تنفيذ عمليات بعيدة المدى والحفاظ على التفوق الجوي في مختلف الظروف، بالإضافة إلى ذلك، يضم “الجناح الرابع عشر” أسرابًا متخصصة في الاستطلاع الجوي والتحكم المحمول جويًا باستخدام طائرات “ساب 2000″، مما يجعل من قاعدة الخرج مركزًا تقنيًا وعسكريًا متكاملًا لا غنى عنه في حماية سماء المملكة.
وفي إطار تعزيز التعاون الدفاعي المشترك، أُنشئ الجناح الجوي الاستكشافي 378 (378th AEW) في ديسمبر 2019، بهدف توفير عمق استراتيجي وتعزيز الدعم الدفاعي للقوات الحليفة مع الحفاظ على الوجود الإقليمي الرادع لأي محاولات لزعزعة الاستقرار، وتستمر القاعدة في تحديث مرافقها وبنيتها التحتية لتستوعب أحدث أجيال الطائرات المقاتلة والمنظومات الدفاعية، مثل “إف-22 رابتور” وقاذفات “بي-1 بي”، مما يؤكد مكانتها كواحدة من أكثر القواعد الجوية تطورًا في العالم، إن التكامل بين الخبرات الوطنية السعودية والتقنيات العالمية الموجودة في قاعدة الأمير سلطان الجوية يعكس رؤية المملكة المستقبلية في بناء قوة دفاعية رادعة قادرة على حماية المكتسبات الوطنية والمساهمة الفعالة في حفظ السلام الإقليمي، وتظل القاعدة رمزًا للقوة والجاهزية، ومحطة رئيسية في تاريخ الطيران العسكري السعودي والدولي على حد سواء، حيث تجمع بين الإرث التاريخي والابتكار التقني لمواجهة تحديات القرن الحادي والعشرين.

















