بقلم أ.د.ميثاق باعبّاد الشعيبي
كاتب صحفي جنوبي بارز ومفكر سياسي اكاديمي
تُبنى الأوطانُ على ركيزتينِ أساسيتين: جغرافيا الأرضِ وثروةِ الإنسان، وبينما تظلُّ الجغرافيا ثابتة، يبقى الإنسانُ هو المتغيّرَ الأهم والفاعلَ الأوحدَ في معادلة البناء أو الفناء. ومن هنا تنبثق القاعدة الذهبية التي تؤكد أن “إصلاح العقول يساوي الحلول”؛ فالمخرج الحقيقي لأي وطن يمر عبر بوابتين متلازمتين هما: الوعي والإدراك. إن بناء العقول يسبق بناء الأوطان، وصلاح الفكر هو أولى خطوات التحرر والسيادة؛ وحين يبدأ الجنوب رحلة البحث عن الحلول الجذرية لمشكلاته وتفكيك أزماته الخدمية والسياسية، فإن أول مصنع يجب إعادة ترميمه وتشغيله هو “العقل البشري” المحصن من شوائب الجهل والتبعية، لأن الأوطان لا تُبنى بالشعارات الفارغة، بل بعقول واعية تدرك حجم المسؤولية وتصون تضحيات الشهداء في سبيل استعادة دولة الجنوب العربي الفيدرالية المستقلة ..
معادلة التحرير وبناء الدولة: الانطلاق الثابت نحو آفاق الاستقلال الكامل.
إن إصلاح العقول يعني الانتقال بالمجتمع من “ثقافة الشكوى والانتظار” إلى “ثقافة المبادرة والابتكار” وفرض واقع جديد. فبدلاً من أن تظل الشعوب رهينة لسياسة “اللا سلم واللا حرب” والمناكفات الضيقة، تدفع العقول المصلَحة باتجاه إرساء فكر وطني متين ومستقيم يقود للتخلص من فخ التبعية والارتجال. من هذا المنطلق، يتجلى المجلس الانتقالي الجنوبي ليس مجرد كيان سياسي عابر، بل كحامل شرعي لإرادة شعب جنوبي حر؛ يدرك تماماً أن الشرعية الحقيقية والوحيدة على هذه الأرض هي شرعية الشعب الخالصة التي تُستمد من ساحات النضال وميادين الشرف، لتتحول هذه الإرادة إلى انطلاقة ثابتة تؤسس لمداميك دولة مستقلة ومستقرة ..
إرادة حضرموت والمهرة: رفض قاطع للوصاية والإحتلال، وتمسك مطلق بالهوية الجنوبية.
النهوض بالأوطان ليس أمنية تُرتجى، بل هو مسار عقلاني وثوري يبدأ بالتعليم والتثقيف والتوعية السياسية الشاملة. ويتجسد هذا الوعي الرشيد عملياً في المواقف الشجاعة لأبناء حضرموت والمهرة، الذين برهنوا بمليونياتهم على نضج حراكهم الشعبي برفضهم القاطع لكل أشكال الوصاية ومشاريع الهيمنة وتدوير الصراعات والمجالس التنسيقية الهشة، متمسكين بهويتهم الجنوبية التاريخية. لقد أثبتوا بوعيهم وثباتهم أن الجماهير المحصنة فكرياً هي حائط الصد الأول ضد أي صفقات خفية أو شعارات زائفة تحاول قوى الاحتلال الحزبي المتخلفة تمريرها لسلب ثروات الأرض وجغرافيتها ..
تلاحم القيادة الصادقة الغيورة والشعب: تفويض شعبي متجدد للانتقالي الجنوبي بقيادة الزُبيدي.
إن الأزمة الحقيقية التي تواجه الشعوب في منعطفاتها التاريخية هي أزمة وعي مجتمعي؛ لذا جاء التفويض الشعبي المتجدد للمجلس الانتقالي الجنوبي بقيادة الرئيس الزُبيدي كتعبير راسخ عن تلاحم وثيق بين القيادة المتفانية والشعب الجنوبي الواعي. إن هذا الالتفاف والاصطفاف الوطني الشامل يبرهن أن الحلول والخيارات السيادية لا تأتي كمنح أو إملاءات خارجية، بل تولد من رحم إرادة وطنية صلبة تفرض شروطها العادلة بالحق على طاولة المفاوضات الإقليمية والدولية ..
دبلوماسية السيادة: القضية الجنوبية في المحافل الدولية وصناع القرار في الولايات المتحدة والعالم.
بفضل هذا النضج السياسي، والقدرة على التفكير السليم، والتناغم الاستراتيجي بين القيادة والشعب، حققت الدبلوماسية الجنوبية قفزات تاريخية نجحت من خلالها في إيصال صوت شعب الجنوب وثورته التحررية إلى أعلى أروقة صناع القرار الدولي في الولايات المتحدة الأمريكية والعالم. لقد غدا الجنوب برؤيته السياسية المتزنة شريكاً رئيسياً معترفاً به دولياً، يفرض حضوره كعنصر استقرار أساسي في المنطقة.
في زمن التجاذبات والمخططات التي تُحاك في الغرف المغلقة، يصبح الوعي الجماهيري المسنود بالقوة العسكرية هو الضامن الأكيد لحماية المكتسبات وصون حياض الوطن. وما بين مجازر الأمس وكرامة اليوم، يتجلى فرق شاسع صنعه أبطال القوات المسلحة الجنوبية، الذين تسلحوا بالوعي العسكري والولاء الوطني، ليذودوا عن الأرض والإنسان، ويقفوا بكفاءة واقتدار كصمام أمان يحطم مؤامرات الأعداء، ويثبت دعائم التحرر الجنوبي الكامل، ويفرض معادلة الأمن والاستقرار كأمر واقع لا مساولة فيه ..
شريك دولي في مكافحة الإرهاب: رسالة حاسمة للعالم بأن الجنوب بيئة طاردة للتطرف.
عندما تتسلح المجتمعات بالوعي، يتحول كل مواطن جنوبي إلى حارسِ أمنٍ ومفكرٍ ومدافعٍ عن كرامة وطنه، وتتحول التحديات الكبرى -مهما بلغت التضحيات- إلى حلول راسخة وبناءٍ حتمي لوطن قوي. من هنا، يبعث الجنوب برسالة حاسمة ومسؤولة للعالم أجمع تؤكد أن أرض الجنوب ستبقى بيئة طاردة للإرهاب والتطرف بكافة أشكاله، وأن قواته الباسلة شريك محوري دولي يعتمد عليه لحماية الملاحة وتأمين خطوط السلم الدوليين وتجفيف منابع الفكر المنحرف ..
تحصين الجبهة الفكرية: الاكتفاء الفقهي الجنوبي بمنهج وسطي يغرس قيم الولاء والانتماء.
تماماً كبناء المنزل، حيث تشكل القواعد القوية خط الدفاع الأول الذي يحمي البناء من السقوط، فإن العقل المستنير المحصن بالمنهج الوسطي المعتدل لأهل السنة والجماعة على المذهب الشافعي في الجنوب هو الأساس المتين الذي تنهض عليه الحياة برمتها. وعبر هذا الاكتفاء الفقهي لعلمائنا ومنابرنا، نغلق المنافذ أمام السموم الفكرية الدخيلة، فالجهل والتبعية هما المنبع الأول للأزمات والمشاكل، بينما يظل العلم والتفكير المستقيم هما البوابة الحتمية لتحقيق النجاح، وغرس ثقافة حب الوطن، ورص الصفوف لمقاومة حازمة تحول ركام التحديات إلى انتصارات ميدانية راسخة ..
ختاماً وجواباً لنداء الثورة والغضب.
من وسط ركام التحديات وملامح المؤامرات، نؤكد بيقين لا يتزعزع: إن النصر المؤزر سيكون حليف الجنوبيين الأحرار الصامدين القابضين على جمر مبادئهم، والذين يرفضون بيع وطنهم ومقدرات شعبهم. أما الهلاك والعار والخزي، فسيكون المصير الحتمي والمحتوم لكل الخونة المرتزقة الذين يبيعون كرامة الجنوب ويخونون دماء شهدائه من أجل مكاسب رخيصة ومصالح شخصية ضيقة؛ فالتاريخ لا يرحم، والأرض لا تقبل بائعاً، والجنوب قادم بوعي شعبه، وبأس قادته، وعزيمة أبطاله الميامين ..
عاش الجنوب حراً عزيزاً، وحفظ الله قواته المسلحة الجنوبية صمام أمان الوطن، وصان شعبنا الجنوبي الصابر، الصامد الأبي والمكافح، الصانع لمعادلة النصر والكرامة، الذي يبرهن في كل منعطف تاريخي على صلابة إرادته وعمق انتمائه …

















