كشفت موجة حرائق الغابات التي تجتاح فرنسا وإسبانيا عن نقص حاد في طائرات الإطفاء البرمائية من طراز “كندير” (Canadair)، ما أثار انتقادات سياسية واسعة بشأن جاهزية الدول الأوروبية لمواجهة الكوارث المناخية المتزايدة، في ظل تصاعد آثار التغير المناخي وتزايد حرائق الغابات خلال فصل الصيف.
وأوضحت صحيفة الفايننشال تايمز البريطانية في سياق تقرير إخباري إن الحكومتين الفرنسية والإسبانية يواجهان ضغوطًا متزايدة بعد أن تبين محدودية عدد الطائرات القادرة على تنفيذ عمليات الإطفاء الجوي، إذ لا تمتلك فرنسا سوى 12 طائرة “كندير” لا يعمل منها حاليًا سوى سبع طائرات، بينما تمتلك إسبانيا 14 طائرة، منها ثماني طائرات فقط جاهزة للتشغيل.
ففي فرنسا، حيث يشتعل حريق هائل في منطقة جيروند منذ ما يقارب الأسبوع، اتهم سياسيون معارضون الرئيس إيمانويل ماكرون بعدم امتلاكه عددًا كافيًا من طائرات “كانادير” الجاهزة للعمل، بينما انتقدت المعارضة في إسبانيا “ضعف الأسطول بأكمله”.
وتستطيع طائرات “كانادير”، التي تبلغ تكلفتها حوالي 50 مليون يورو، حمل أكثر من ستة أطنان من الماء، وهي الطائرات الوحيدة القادرة على انتشال المياه مباشرة من البحيرات أو البحر، مما يُتيح لها القيام بطلعات جوية أكثر تكرارًا وسرعة من طائرات “إخماد الحرائق” الأخرى.
لكن توقف إنتاج طائرات “كانادير” لسنوات بدءًا من عام 2015، ترك كلا البلدين بأسطول متقادم حيث تمتلك فرنسا 12 طائرة “كانادير”، بالإضافة إلى أنواع أخرى من الطائرات والمروحيات، بينما تمتلك إسبانيا 14 طائرة.
وفي محاولة لتعزيز قدراتها، طلب الاتحاد الأوروبي شراء 12 طائرة “كندير” لتأسيس أسطول أوروبي مشترك لمكافحة الحرائق، فيما قالت مفوضة الاتحاد الأوروبي لإدارة الأزمات، الحاجة لحبيب، إن أوروبا تفتقر إلى التكنولوجيا المحلية اللازمة في هذا المجال، مؤكدة أن تعزيز القدرات “سيستغرق وقتًا”.
وبالتزامن مع استمرار الحرائق، دفع الاتحاد الأوروبي بخمس طائرات “كندير” لدعم جهود الإطفاء، بينها أربع طائرات إلى إسبانيا وواحدة إلى فرنسا، ضمن أسطول أوروبي مؤلف من 14 طائرة مستأجرة من الدول الأعضاء.
وفي فرنسا، يواصل آلاف رجال الإطفاء مكافحة حريق ضخم في إقليم جيروند جنوب غربي البلاد منذ نحو أسبوع، بعدما التهمت النيران أكثر من 42 ألف هكتار، أي ما يعادل أربعة أضعاف مساحة العاصمة باريس تقريبًا.
وأكد وزير الداخلية الفرنسي لوران نونيز أن طائرتين من طراز “كندير” تشاركان في عمليات الإطفاء إلى جانب 23 طائرة ومروحية فرنسية، فيما بدأت السلطات لأول مرة اختبار طائرة نقل عسكرية من طراز إيرباص A400M بعد تعديلها لإلقاء المياه ومواد إبطاء انتشار الحرائق.
وأثار نقص الطائرات انتقادات حادة من المعارضة في البلدين، إذ اتهم سياسيون فرنسيون الرئيس إيمانويل ماكرون بعدم إعطاء أولوية لتطوير أسطول الإطفاء الجوي، بينما اعتبرت المعارضة الإسبانية أن الحكومة كانت على علم منذ سنوات بتهالك الأسطول وعدم تحديثه.
وقد طلبت الحكومتان طائرات كانادير جديدة، لكن شركة دي هافيلاند المصنّعة لم تبدأ بعد بتسليمها فيما توقفت شركة بومباردييه، التي كانت تصنع الطائرات في الأصل، عن الإنتاج عام 2015 بسبب انخفاض الطلب. وفي وقت لاحق، حصلت شركة دي هافيلاند الكندية على الترخيص وأعادت إطلاق الإنتاج عام 2022 بعد أن قدمت عدة دول أوروبية طلبات جديدة.
وفي عام 2022، وبعد اندلاع حريق هائل في جيروند، تعهد ماكرون باستبدال أسطول طائرات كانادير المتقادم بالكامل، وشراء أربع طائرات إضافية بحلول نهاية ولايته الثانية عام 2027.
وقال جوليان ماريون، مدير وكالة الأمن المدني الفرنسية، إنه لا يمكن تحميل فرنسا مسؤولية تأخر شركة دي هافيلاند في إنتاج طائرات كانادير الأربع التي طلبتها باريس.
وقالت ماريون: “الجدل الدائر حول طائرات كانادير لا أساس له من الصحة على الإطلاق. شراء طائرة كانادير ليس كشراء محمصة خبز.”
وصرحت شركة دي هافيلاند في عام 2022 أنها تتوقع تسليم أولى الطائرات لعملائها الأوروبيين “بحلول منتصف العقد”. لكن متحدثًا باسم الشركة صرح لصحيفة فايننشال تايمز بأن العقود لم تُوقع حتى عام 2024، مؤكدًا أن الشركة “تسير على المسار الصحيح” لبدء تسليم الطائرات بحلول عام 2028.
وقد طلبت إسبانيا سبع طائرات كانادير جديدة حيث قال وزير الداخلية فرناندو جراندي مارلاسكا: “إن عملية شراء طائرات كانادير معقدة للغاية، والعرض في السوق محدود للغاية.”
وفي غضون ذلك، لن يبدأ وصول أسطول الاتحاد الأوروبي المكون من 12 طائرة من طراز “كانادير” حتى عام 2028، مع توقع وصول الوحدات الأخيرة في أوائل ثلاثينيات القرن الحالي.
وأوضح مسؤولون في الاتحاد الأوروبي أن طائرات “كانادير” ليست حلًا لجميع أنواع حرائق الغابات، إذ تتطلب الظروف المختلفة موارد مختلفة. وأشار أحدهم إلى أن المروحيات تُستخدم في أغلب الأحيان لمكافحة حرائق الغابات في وسط وشمال أوروبا، حيث يتم تزويدها بالمياه من مصادر مائية أصغر. بينما تُعد طائرات “كانادير” فعالة في نقل المياه من البحر لإخماد الحرائق في جنوب أوروبا.
وقال ماريون، الذي تقود وكالته جهود مكافحة الحرائق في فرنسا، إن جزءًا كبيرًا من العمل كان يقوم به رجال الإطفاء على الأرض، لذا فإن تقييم فعالية قوات الدول بناءً على عدد طائرات “كانادير” فقط لا يُعد منطقيًا.
وأضاف أن فرنسا أنشأت أسطولًا متكاملًا من الطائرات لمكافحة حرائق الغابات، وذلك من خلال زيادة عدد طائرات “داش” المخصصة لإخماد الحرائق.
وبدورها، دعت لحبيب الدول الأعضاء إلى دعم مقترح بقيمة 10.7 مليار يورو للاستثمار في الحماية المدنية في ميزانية الاتحاد الأوروبي المقبلة، وقالت إنّ عليهم اتباع توصيات بروكسل بالاستثمار في إدارة الغابات.
وأضافت: “تستغرق طائرات كانادير وقتًا للوصول، ولكن في هذه الأثناء يمكننا أيضًا تعلم كيفية إدارة المخاطر”.















