هناك رجال يولدون في مدينةٍ واحدة، لكنّهم يحملون في صدورهم مدنا بأكملها. يمشون في أزقّتها فيحسّون أنّ كلّ حائطٍ فيها يعرفهم، وأنّ كلّ نافذةٍ تُطلّ على حكايةٍ من حكاياهم. لم يكن محمد علي كعدل رجلاً عاش في عدن… بل كان عدنَ ذاتها، وقد تجمّعت في حنجرةٍ واحدة، ثمّ انطلقت تُغنّي.
كتب (عرب تايم) رعد الريمي:
وُلد عام 1949 في الشيخ عثمان، تلك البقعة التي كانت تفوح منها رائحة البخور وأصوات الباعة وضحكات الأطفال الحفاة. وُلد في زمنٍ كانت فيه عدنُ تُلمّعُ مراياها على شاطئ المحيط، تستقبلُ السفنَ والمسرحَ والسينما والأغنيةَ كأنّها عاصمةُ الدنيا كلّها. وفي ذلك الهواء المشبع بالفنّ والحرية، فتَحَ الطفلُ عينيه للمرّة عرب تايمى، وكأنّ القدرَ كان يهمسُ في أذنه: ستكونُ صوتَ هذه المدينة حين تصمتُ الأصوات.
المعلّمُ الذي لم يكتفِ بالطبشور
لكنّ الرجلَ لم يبدأ من المسرح. لا. بدأ من السبّورة.
تخيّله: شابٌّ في مقتبل العمر، يحملُ حقيبةً بسيطة، ويمضي إلى ريف بيحان ثمّ إلى الضالع، يعلّمُ الأطفالَ الحروفَ عرب تايمى. كان يمكن أن يبقى هناك، معلّمًا هادئًا، يُنهي يومه بفنجان شاي وينام. لكنّ في صدره نارًا لا تُطفئها سبّورةٌ ولا يُسكتها جرسُ نهايةِ الحصّة.
ثمّ عاد إلى عدن، إلى المدرسة الشرقية في الشيخ عثمان. وقف أمام التلاميذ، لكنّ عينيه كانتا تنظران إلى ما هو أبعد من الجدران الأربعة. كان يسمعُ في داخله لحنًا لا يتوقّف، وإيقاعًا يطلبُ أن يخرج. وحين نُقل إلى وزارة الثقافة، لم يكن ذلك انتقالاً وظيفيًا… بل كان القدرُ يفتحُ القفصَ عن طائرٍ طالَ حبسُه.
المنولوجست: حين يصبحُ الصوتُ مرآةً للناس
ما هو المنولوج؟
هو أن تقفَ وحدك، بلا جوقة، بلا فرقة، بلا ستارٍ يحميك. أنتَ والصوتُ والجمهور. كلمةٌ واحدةٌ في غير مكانها تُسقطك. جملةٌ في مكانها الصحيح ترفعك إلى السماء.
ومحمد علي كعدل اختارَ أن يقفَ وحده.
في الستينيات، حين كانت عدنُ تغلي بالحلم والتحوّل، صعدَ إلى خشبة “سينما بلقيس” في كريتر. تخيّل المشهد: صالةٌ مليئة، أضواءٌ خافتة، وصمتٌ ينتظر. ثمّ انطلق صوته:
“يا ريتنا طالب…”
لم تكن مجرّد أغنية. كانت صرخةَ جيلٍ يبحثُ عن نفسه، عن هويّته، عن مكانه في عالمٍ يتغيّر. ومن تلك اللحظة، لم يعد محمد علي كعدل مجرّد فنان. أصبحَ مرآة. كلّ من ينظرُ فيها يرى نفسَه، يرى همّه، يرى ضحكته المكبوتة ودمعته المخفيّة.
ثمّ جاء “يا عمي شوف بنتك.. كم مرة كلمتك”. وهنا تتجلّى عبقرية الرجل. لم يكن يُغنّي فقط. كان يُشرّح. يأخذُ قضيةً اجتماعية، يقلبُها على وجهها وعلى ظهرها، يُضحكك حتّى تبكي، ويُوجعك حتّى تضحك. هذا هو فنّ المنولوج الحقيقي: أن تجعلَ الجرحَ يُضحك، والضحكةَ تفتحُ جرحًا.
زائرٌ من الأرض
وفي السبعينيات، حين كان الفنُّ في عدنَ مشروعَ دولةٍ لا ترفَ أفراد، شارك في الملحمة الغنائية “أوبريت زائر من الأرض”. كلمات وألحان محمد سعد عبدالله، وإخراج أبو بكر القيسي. لم يكن مجرّد مشارك. كان أحدَ أعمدة ذلك البناء. وقف إلى جوار أحمد علي قاسم وشقيقته أمل كعدل، فكانوا جميعًا كحزمة ضوءٍ واحدة، كلّ شعاعٍ فيها يُكملُ الآخر.
تخيّل تلك الليلة: المسرحُ ممتلئ، والأصواتُ تتصاعدُ كالموج، ومحمد علي كعدل في قلب العاصفة، لا يصرخ، لا يتكلّف. فقط… يكون. ويكونُ كافيًا.
القدمُ التي كانت تُريدُ أن تركض
لكنّ القصةَ لم تُروَ كاملة.
قليلون يعرفون أنّ هذا الرجل الذي ملأ المسارح صوتًا، كان يملأ الملاعب ركضًا. في السبعينيات، ارتدى قميص نادي الهلال العدني، ولعبَ في مركز المهاجم. كان سريعًا، خاطفًا، لا يُمسك. زاملَ أساطير الكرة العدنية: علي فارع سالم، عمر علي سعيد، علي المنصوري، عبدالملك بانافع.
تخيّله: في الصباح معلّمٌ يشرحُ الدرس، وفي العصر مهاجمٌ يخترقُ الدفاعات، وفي الليل منولوجست يُضحكُ مدينةً بأكملها. ثلاثةُ رجالٍ في جسدٍ واحد. ثلاثةُ أقدارٍ تتصارعُ في صدرٍ واحد.
ثمّ اختارَ الفنّ. لم يترك الكرةَ كرهًا، لكنّ الأغنيةَ كانت تناديه بإلحاحٍ أشدّ. ومع ذلك، لم ينسَ. وحين حقّق نادي وحدة عدن إنجازَه التاريخي عام 1989، جمعَ الدوري والكأس، لم يقف كعدل في المدرّجات يصفّق. لا. غنّى. كتبَ ولحّنَ وصاح:
لما الحكم صفر وأعلن بلنتي للوحدة فورًا.. خالد عفارة ما قصّر سكنها في الركن الأيسر.. نادي الوحدة عملها يا ناس شال الدوري وشال الكأس
هكذا هو. لا يعرفُ أن يحبَّ من بعيد. إمّا أن يكونَ في قلب الحدث، أو لا يكون.
الصمتُ الأخير
ثمّ جاءت السنواتُ الثقيلة.
الرجلُ الذي أضحكَ أجيالًا، الذي علّمَ أجيالًا، الذي ركضَ في ملاعبَ وملأ مسارح… وجدَ نفسه وحيدًا. التهميشُ الذي يعرفُه المبدعُ العربيّ جيّدًا. الإهمالُ الذي لا يقتلُ الجسدَ دفعةً واحدة، بل يسرقُ منه الروحَ قطرةً قطرة.
دخلَ مستشفى الصداقة مرّةً ومرّتين. الجسدُ يتعب، لكنّ الكرامةَ تأبى أن تئنّ. لم يطلب. لم يتسوّل. لم يمدّ يدَه. فقط… انتظر. وانتظارُ المبدعِ في آخر عمره هو أقسى أنواع النفي.
وفي صباحِ السبت، الثامن من أغسطس 2026، أسلمَ محمد علي كعدل روحَه. عن سبعةٍ وسبعين عامًا. سبعةٌ وسبعون عامًا من الغناء والتدريس والركض والضحك والوجع.
كلمةٌ أخيرة
هناك رجالٌ يموتون فيُطوى ذكرُهم مع أيّام العزاء. وهناك رجالٌ يموتون فتكتشفُ المدينةُ أنّها فقدت جزءًا من ذاكرتها.
محمد علي كعدل من الصنف الثاني.
لم يكن مجرّد فنان. كان وثيقة. كان تسجيلًا حيًّا لزمنٍ عدنِيٍّ لن يعود. زمن السينما والمسرح والمنولوج والفرق الغنائية والأحلام الكبيرة. وحين رحل، لم يرحل رجل. رحلَ عصرٌ بأكمله، كان يختبئُ في حنجرته.
رحمَه الله. ورحمَ عدنَ التي أنجبتْه. ورحمَ الفنَّ الذي عاشَ له وماتَ وفي قلبه شيءٌ منه لم يُقل بعد.
إنّ الرجالَ الذين يصنعون الفرحَ للناس، قلّما يجدون من يصنعُ لهم فرحًا في آخر الطريق. هذه هي المأساة. وهذه هي الحياة.


















