تعيش جماعة الإخوان المسلمين في الخارج واحدة من أكثر مراحل الانقسام تعقيدًا، بعدما تجاوز الصراع بين قياداتها الخلاف حول القيادة والشرعية التنظيمية، ليصل إلى المال والأصول والاستثمارات والمنصات الإعلامية. وتبرز تركيا، ولا سيما إسطنبول، باعتبارها إحدى أهم ساحات هذا الصراع، في ظل وجود عدد كبير من قيادات الجماعة وكياناتها الإعلامية والتنظيمية هناك.
وتشير تقارير حديثة إلى أن الخلافات بين ما يُعرف بجبهتي محمود حسين وصلاح عبد الحق اتخذت منحى أكثر حدة، مع نزاعات حول السيطرة على مقدرات مالية وكيانات تابعة للتنظيم، وصلت في بعض الحالات إلى ساحات القضاء في تركيا.
من صراع القيادة إلى معركة الموارد
لم يعد الخلاف داخل التنظيم مجرد مواجهة بين قيادات حول من يمتلك الشرعية أو يمثل القيادة، وإنما باتت الأصول المالية والاستثمارات جزءًا أساسيًا من معادلة النفوذ.
وتتحدث تقارير عن خلافات حول ملكية وإدارة شركات وعقارات وكيانات استثمارية، إلى جانب المنصات الإعلامية التي أصبحت خلال سنوات وجود قيادات الإخوان في الخارج أدوات للتأثير ومصادر للتمويل في الوقت نفسه.
وتكمن أهمية هذه الموارد في أنها تمنح الجناح المسيطر قدرة أكبر على تمويل الأنشطة، والحفاظ على المؤسسات الإعلامية، وتقديم الدعم لأعضاء التنظيم، وبالتالي تعزيز موقعه في مواجهة الأجنحة المنافسة.
جبهة إسطنبول في مواجهة جبهة لندن
أحد أبرز مظاهر الانقسام يتمثل في التنافس بين جبهة إسطنبول بقيادة محمود حسين والجبهة المرتبطة بصلاح عبد الحق في لندن.
وتقول تقارير إن الخلافات بين الطرفين تعمقت مع محاولة كل جبهة تثبيت شرعيتها والسيطرة على المؤسسات والموارد التي كانت تابعة للتنظيم الدولي. وبحسب تقارير صحفية، امتد النزاع إلى المحاكم التركية في محاولة لحسم ملكية أو إدارة بعض الأصول والكيانات.
وفي المقابل، تتبادل الأطراف الاتهامات بشأن إدارة الأموال، فيما يرى كل جناح أنه الأحق بتمثيل التنظيم وإدارة موارده.
لماذا أصبحت تركيا ساحة رئيسية؟
تكتسب تركيا أهمية خاصة في خريطة الإخوان بالخارج منذ أعوام، بعدما أصبحت إسطنبول مركزًا لعدد من المؤسسات والمنصات الإعلامية والشخصيات المرتبطة بالجماعة عقب خروج قياداتها من مصر بعد 2013.
وتشير دراسة حديثة إلى أن إسطنبول كانت إحدى أبرز مراكز نشاط الجماعة، حيث استضافت مؤسسات ومنظمات وقنوات تلفزيونية مرتبطة بها، في إطار بيئة سياسية وفرت لها مساحة للحركة.
لكن هذا التمركز الجغرافي نفسه جعل تركيا إحدى أهم ساحات التنافس عندما بدأ الانقسام التنظيمي يتسع.
المال.. المحرك الأبرز للخلافات
مع تراجع قدرة التنظيم على العمل من داخل مصر، أصبح النشاط الخارجي يعتمد بدرجة أكبر على شبكات مالية واستثمارات ومنصات إعلامية موزعة بين عدة دول.
وتشير تقارير إلى أن تقلص الموارد أدى إلى زيادة المنافسة بين القيادات والكيانات المختلفة، وفتح الباب أمام خلافات بشأن مصادر التمويل وأوجه الإنفاق وتوزيع الأموال.
كما ظهرت اتهامات متبادلة بالاستيلاء على أموال أو سوء إدارتها، وهي اتهامات يصعب التحقق بشكل مستقل من جميع تفاصيلها، لكنها تكشف في الوقت نفسه حجم التوتر الذي وصل إليه الصراع الداخلي.
الإعلام يتحول إلى ورقة نفوذ
لم تكن القنوات والمنصات الإعلامية بعيدة عن الصراع. فهذه المؤسسات لا تؤدي وظيفة دعائية فقط، وإنما تمثل أيضًا أدوات للتأثير على قواعد التنظيم والجمهور المتعاطف معه، فضلًا عن كون بعضها مرتبطًا بموارد مالية وإعلانية وتمويلية.
ومع اشتداد الانقسام، تحولت بعض المنصات إلى ساحات لتبادل الاتهامات بين القيادات والموالين لكل جناح، ما ساهم في كشف الخلافات التي كانت تُدار سابقًا خلف الأبواب المغلقة.
أزمة شرعية تتجاوز الأفراد
المشكلة التي تواجه التنظيم لا تتعلق فقط بمحمود حسين أو صلاح عبد الحق، وإنما بأزمة أوسع تتعلق بمن يمتلك حق تمثيل الجماعة بعد سنوات من الانقسامات والضربات الأمنية وتشتت قياداتها بين عواصم مختلفة.
وتشير تحليلات حديثة إلى أن الجماعة لم تعد تعمل كتنظيم مركزي موحد كما كانت تاريخيًا، وإنما تحولت إلى شبكات متفرقة تتنافس على القيادة والموارد والنفوذ.
وهذا التحول يجعل حسم الخلاف أكثر صعوبة، إذ لم يعد كافيًا الاتفاق على اسم قائد جديد، بل بات يتعين تحديد من يسيطر على المؤسسات والأموال والمنصات والشبكات التنظيمية.
تركيا أمام اختبار جديد
بالنسبة إلى تركيا، فإن استمرار الصراع داخل الأجنحة الإخوانية يضع النشاط التنظيمي والإعلامي للجماعة أمام مستقبل أكثر غموضًا، خصوصًا مع انتقال بعض الخلافات إلى المجال القانوني والإعلامي.
وفي حال استمرار النزاع على الأصول والموارد، قد تتجه الجماعة إلى مزيد من التفكك، مع ظهور كيانات ومنصات منفصلة تتبع كل منها جناحًا مختلفًا.
إلى أين يتجه التنظيم؟
المؤشرات الحالية توحي بأن الأزمة أعمق من خلاف شخصي بين قيادات؛ فهي نتاج تراكم سنوات من الانقسامات، وتراجع الموارد، وفقدان المركزية، والصراع على الشرعية.
وبينما تحاول كل جبهة الحفاظ على ما تعتبره حقها في تمثيل التنظيم وإدارة موارده، تبدو إسطنبول في قلب معركة تتجاوز حدود القيادة إلى سؤال أكثر جوهرية: من يملك مفاتيح البقاء المالي والتنظيمي لجماعة الإخوان في الخارج؟
والنتيجة حتى الآن هي أن الصراع على الموارد لا يؤدي فقط إلى كشف الانقسامات، بل يهدد بتحويلها إلى واقع تنظيمي دائم، بحيث تصبح الجماعة أقرب إلى مراكز نفوذ عرب تايمافسة منها إلى تنظيم موحد قادر على اتخاذ قرار مركزي.

















