تواجه إيران ضغوطًا اقتصادية متزايدة في ظل استمرار المواجهة مع الولايات المتحدة وتعطل حركة التجارة والنقل في منطقة الخليج، بينما تقول طهران إن الحصار والعقوبات الأمريكية أسهما بصورة مباشرة في ارتفاع الأسعار وتفاقم التضخم.
وتأتي هذه الضغوط في وقت تراجعت فيه قدرة إيران على تصدير النفط، بعدما أدى الحصار البحري الأمريكي إلى تعطيل حركة الناقلات، فيما أصبحت منشآت التصدير الإيرانية، وعلى رأسها جزيرة خرج، شبه متوقفة عن العمل منذ أواخر يوليو/تموز.
الحصار يضغط على الاقتصاد
ترى السلطات الإيرانية أن القيود الأمريكية على التجارة والموانئ والنفط ترفع تكلفة الاستيراد وتحد من تدفق العملات الأجنبية، وهو ما ينعكس على سعر الريال وأسعار السلع داخل الأسواق.
وتشير تقارير اقتصادية حديثة إلى أن التضخم في إيران تجاوز 80%، بينما وصلت العملة الإيرانية إلى مستويات قياسية من الضعف، ما أدى إلى تراجع القدرة الشرائية للأسر وارتفاع أسعار السلع الأساسية.
ولا تقتصر تداعيات الأزمة على المواد الغذائية، إذ بدأت الأسر الإيرانية في تقليص الإنفاق واللجوء إلى أنظمة الشراء المؤجل لتوفير احتياجاتها، في مؤشر على اتساع الضغوط على دخل المواطنين.
النفط.. شريان الاقتصاد في خطر
يمثل النفط أحد أهم مصادر الإيرادات بالنسبة إلى إيران، ولذلك فإن توقف أو تراجع صادرات الخام يضع الحكومة أمام أزمة مالية متفاقمة.
وبحسب بيانات نقلتها تقارير اقتصادية، أدى الحصار الأمريكي إلى اقتراب صادرات النفط الإيرانية من التوقف، فيما لم تشهد محطة التصدير الرئيسية في جزيرة خرج حركة ناقلات منذ 31 يوليو/تموز، في واحدة من أطول فترات التعطل خلال الأزمة الحالية.
ويعني انخفاض الصادرات تراجع تدفق الدولار والعملات الأجنبية، وهو ما يزيد الضغط على الريال، ويرفع تكلفة السلع المستوردة والمواد الخام التي تحتاجها المصانع المحلية.
اضطراب الملاحة يضاعف التكلفة
لا يتعلق الأمر بالعقوبات وحدها، إذ أصبحت حركة الملاحة عبر مضيق هرمز، أحد أهم ممرات الطاقة في العالم، شديدة الاضطراب.
وتقول طهران إن المضيق سيظل مغلقًا أمام حركة الشحن حتى تفي الولايات المتحدة بشروط الاتفاق المؤقت الموقع في يونيو/حزيران، ومن بينها رفع الحصار عن الموانئ الإيرانية وإلغاء العقوبات النفطية والإفراج عن أصول إيرانية مجمدة.
وفي المقابل، تؤكد واشنطن استمرار الضغط الاقتصادي والعسكري على إيران. وقد أدى اضطراب حركة الملاحة إلى ارتفاع أسعار النفط عالميًا؛ إذ تجاوز سعر خام برنت 91 دولارًا للبرميل في 19 أغسطس/آب، مع استمرار المخاوف بشأن إمدادات الطاقة.
الأسعار تلاحق المواطن
انعكست الأزمة الاقتصادية بصورة مباشرة على حياة الإيرانيين. فارتفاع تكلفة الاستيراد وتراجع قيمة العملة يؤديان إلى زيادة أسعار المواد الغذائية والأدوية والسلع الاستهلاكية، في وقت تتراجع فيه القوة الشرائية للرواتب.
وتكشف ظاهرة انتشار خدمات «اشتر الآن وادفع لاحقًا» حجم الأزمة؛ إذ بات المستهلكون يستخدمون الدفع المؤجل للحصول على احتياجات تتراوح بين المواد الغذائية والإلكترونيات، بينما يحاول آخرون بيع مدخراتهم أو الذهب لمواجهة ارتفاع تكاليف المعيشة.
طهران تحمل واشنطن المسؤولية
تقدم الحكومة الإيرانية ارتفاع الأسعار باعتباره نتيجة مباشرة للضغوط الخارجية، خصوصًا العقوبات والحصار وتعطيل صادرات النفط.
لكن الأزمة الاقتصادية الإيرانية لا ترتبط بالعقوبات وحدها؛ فسنوات من التضخم المرتفع وضعف العملة والمشكلات الهيكلية في الاقتصاد، إضافة إلى تداعيات الحرب الحالية، كلها عوامل تتداخل في تحديد مستوى الأسعار والمعيشة.
كما أن توقف التجارة مع بعض الشركاء الإقليميين يزيد صعوبة الوضع. فقد أعلنت الإمارات، في 19 أغسطس/آب، تعليق جميع المعاملات التجارية والمالية مع إيران، ما يضيف ضغطًا جديدًا على اقتصاد يعتمد بدرجة كبيرة على قنوات التجارة وإعادة التصدير عبر الخليج.
أزمة اقتصادية مرتبطة بأزمة سياسية
تتجاوز تداعيات ارتفاع الأسعار الجانب الاقتصادي لتلامس الاستقرار الاجتماعي والسياسي في إيران. فكلما طال أمد المواجهة مع الولايات المتحدة، زادت تكلفة الحفاظ على النشاط الاقتصادي في ظل القيود على النفط والتجارة والتحويلات المالية.
وتواجه الحكومة في الوقت نفسه معضلة صعبة: فهي بحاجة إلى الحفاظ على موقف تفاوضي متشدد تجاه واشنطن، لكنها تحتاج أيضًا إلى تخفيف الضغوط الاقتصادية التي يتحمل المواطنون الجزء الأكبر منها.
وفي ظل استمرار الحصار وتعطل جزء كبير من صادرات النفط واضطراب الملاحة في مضيق هرمز، يبدو أن معركة الأسعار أصبحت إحدى أبرز ساحات المواجهة بين طهران وواشنطن.
فبينما تراهن الولايات المتحدة على الضغط الاقتصادي لإجبار إيران على تقديم تنازلات، تراهن طهران على قدرتها على الصمود واستخدام موقعها الاستراتيجي في مضيق هرمز كورقة تفاوض. وفي الحالتين، يبقى المواطن الإيراني في قلب تداعيات الأزمة، مع ارتفاع الأسعار وتراجع القوة الشرائية وتزايد صعوبة تأمين الاحتياجات اليومية.
















