في مشهد يتكرر يومياً على وقع احتجاجات شعبية متصاعدة، تعكس الأوضاع المعيشية المتردية في محافظات الجنوب واقعاً مريراً يفضح إفلاس كافة المبررات التي تسوقها سلطات الوصاية، ويكشف عن مخطط ممنهج يهدف إلى استمرار حرب الإخضاع وإذلال الشعب الجنوبي عبر سياسة تجويع ممنهجة وافتعال متعمد للأزمات.
“معاناة يومية.. وحياة تحت خط الفقر”
يعيش أبناء الجنوب أوضاعاً معيشية كارثية، حيث يعاني أكثر من 80% من السكان من انعدام الأمن الغذائي، وتجاوزت معدلات البطالة 70% في بعض المحافظات، فيما وصل سعر صرف الريال اليمني إلى مستويات غير مسبوقة أمام العملات الأجنبية، هذه المعطيات ليست مجرد أرقام، بل ترجمتها واقعية يعيشها المواطن الجنوبي يومياً في طوابير الخبز والغاز، وفي عيادات المستشفيات التي تفتقر إلى أبسط الأدوية والمستلزمات الطبية، وفي مدارس أطفاله التي تنهار جدرانها بينما تغيب عنها المناهج والمعلمون.
وتشير تقارير اقتصادية إلى أن تكلفة المعيشة ارتفعت بنسبة تجاوزت 300% خلال السنوات الماضية، فيما تجمّدت الرواتب لمعظم الموظفين منذ أكثر من عامين، مما دفع الملايين من الأسر الجنوبية إلى هاوية الفقر المدقع، ووسط هذا المشهد الكئيب، تزداد آلام المواطنين مع أزمة الكهرباء التي عمّت أغلب مدن الجنوب، وأزمة المياه التي حرمت الملايين من أبسط مقومات الحياة، وأزمة الدواء التي حوّلت المستشفيات إلى متاحف للموت البطيء.
“افتعال الأزمات.. مخطط ممنهج لإرهاب المجتمع”
ما يجري في الجنوب ليس مجرد تقصير أو سوء إدارة، بل هو مخطط ممنهج ومدروس تتبناه قوى الوصاية لإخضاع الشعب الجنوبي وكسر إرادته عبر سياسة التجويع والحرمان، وقد أثبتت الأيام أن هذه الممارسات ليست وليدة اللحظة، بل امتداد لسياسة ممنهجة بدأت مع حرب 2015 التي تعمّدت فيها تلك القوى تجويع الجنوب وتدمير مرافقه الحيوية.
فالواقع يشهد أن خدمة الكهرباء شهدت تدهوراً ممنهجاً تزامن مع عمليات تدمير منظومة الطاقة، كما جرى تعطيل أكبر مشاريع الطاقة في الجنوب، لتتحول معظم المحافظات إلى ظلام دامس مع حلول المساء، وفي قطاع الصحة، أغلقت مئات المراكز الصحية، بينما حوّلت المستشفيات المتبقية إلى ثكنات عسكرية أو مقار لمليشيات الوصاية، أما في قطاع التعليم، فيعيش أكثر من مليون طالب جنوبي حرماناً تعليمياً نتيجة انقطاع الرواتب وإغلاق المدارس أو تحويلها إلى مراكز عسكرية وإيوائية.
“إفلاس المبررات.. وتصاعد الغضب الشعبي”
في مواجهة هذا الواقع المرير، تتهاوى تباعاً المبررات التي تسوقها سلطات الوصاية لتبرير فشلها الذريع في إدارة شؤون الجنوب، فالجنوبيون يرفضون أن يكونوا رهينة لأجندات إقليمية، ويرفضون تحويل أرضهم إلى ساحة لتصفية الحسابات وفرض سياسات القمع والحرمان.
ولم يعد بإمكان هذه السلطات التذرع بظروف الحرب أو تداعيات الأزمة، فما يحدث في الجنوب لا يقع تحت بند “الأخطاء” بل تحت بند “المخططات” حيث تتجلى بوضوح سياسة القمع والتجويع الممنهج، وقد ثار الغضب الشعبي في عموم محافظات الجنوب في موجة احتجاجات غير مسبوقة، انطلقت من المكلا وعدن وسيئون والمهرة إلى سقطرى وكل مدن وقرى الجنوب، معلنة رفضها القاطع لسياسة الإفقار .
“شراكة في المعاناة.. موقف وطنى موحد”
في مواجهة هذا المخطط، يظل المشهد الجنوبي أكثر إشراقاً في تلاحمه الوطني. فرغم كل محاولات التفريق وإثارة الفتن، تثبت الأيام أن شعب الجنوب صف واحد في مواجهة السياسات الظالمة . أبناء الجنوب يدفعون الثمن غالياً في معركة وطنية لا هوادة فيها، ويؤكدون أنهم لن يركعوا، ولن يتخلوا عن مطالبهم المشروعة في استعادة دولتهم المستقلة .
يجتمع في خندق واحد كل الجنوبيين بكل مكوناتهم وتوجهاتهم، حيث تتحول أزمة الغاز والكهرباء والرواتب إلى مادة مقاومة يومية، وتتغير لغة الخطاب من “مطالب خدمية” إلى “مطلب وطني بتحرير القرار” . وكلما زادت حدة الأزمات، كان لهيب الغضب أكثر اشتعالاً، كما ترجمته شعارات رفعها المتظاهرون في مختلف المحافظات: “لا للوصاية، لا للتجويع، نعم للجنوب الحر المستقل”.
“الخلاصة.. كفى تجويعاً الجنوب يريد حياة “
تعكس أزمات الجنوب المعيشية المتفاقمة حقيقة واضحة: هي ليست أخطاء عابرة، بل حلقة في مسلسل طويل من الإخضاع والحرمان الذي مورس ضد الجنوبيين لعقود . وقد آن الأوان لوضع حد لهذه الممارسات التي تتعارض مع أبسط حقوق الإنسان وتنتهك كافة الأعراف والمواثيق الدولية .
ويبقى السؤال الملح: متى ينتهي هذا المخطط المتعمد لتجويع شعب الجنوب واستنزاف إرادته؟ ومتى تدرك قوى الوصاية أن أبناء الجنوب يريدون العيش بكرامة واستقلالية، وأنهم لن يركعوا، وأن الإرادة الجنوبية أقوى من كل مؤامرات التجويع والحرمان، والجواب واضح: إما أن تترك القوى الوصائية الجنوب لأبنائه، وإما أن ترى إرادة الجنوبيين وهي تحقق أهدافها مهما طال الزمن، فالجنوبيون عازمون على تحرير أرضهم واستعادة دولتهم، مهما كانت التضحيات، ومهما بلغت حدة الأزمات والتحديات.















