مع اندلاع المواجهة العسكرية في 28 فبراير المنصرم، دخلت طهران الحرب وهي تراهن على بوليصة تأمين اقتصادية تمثلت في أسطول تجاري ضخم، وشركة وطنية لنقل النفط، وشبكة واسعة من الناقلات الأجنبية الغامضة (أسطول الظل). وهدفت هذه المنظومة إلى ضمان استمرار صادرات الخام بمعزل عن النظام المالي الغربي وتحت وطأة العقوبات.
أين تكمن أزمة الأسطول؟
رغم مرور أكثر من ستة أشهر على النزاع، لم تختفِ السفن الإيرانية كليًا ولم يُفكك “أسطول الظل”، لكن الحرب خلقت فجوة واسعة بين السفن المسجلة نظريًا وتلك القادرة فعليًا على دخول الموانئ الإيرانية، تحميل البضائع، ومغادرتها بأمان.
وتصاعدت الأزمة خطسيًا في سبتمبر؛ حيث أعلنت القيادة المركزية الأميركية تدمير أو تعطيل ثماني ناقلات نفط إيرانية في جولتي ضربات (5 و8 سبتمبر) قرب جزيرة خارك وجاسك وخليج عُمان. وفي المقابل، أعلن الحرس الثوري الإيراني استهدف سفينتين أميركيتين وثماني ناقلات، في هجمات تعذر التحقق منها من مصادر مستقلة. وبذلك، تحولت ناقلات النفط المرتبطة بإيران من مجرد أداة للالتفاف على العقوبات إلى أهداف عسكرية مباشرة.
خريطة الأسطول الإيراني بالأرقام
لا يُقاس الأسطول التجاري الإيراني برقم واحد، وتتوزع أصوله بين جهتين رئيسيتين:
مجموعة خطوط الشحن الإيرانية (IRISL): تضم 144 سفينة بإجمالي حمولة ساكنة نحو 5 ملايين طن (DWT)، وقدرة استيعابية تبلغ 160 ألف حاوية نمطية (TEU)، وتتولى نقل الحاويات والبضائع العامة لدعم سلاسل الإمداد والواردات (الغذاء، المعدات، وقطع الغيار).
شركة الناقلات الوطنية الإيرانية (NITC): تدير 53 سفينة بحمولة ساكنة تقارب 13 مليون طن، وتتركز مهمتها على نقل النفط الخام والمنتجات النفطية.
“أسطول الظل”: بنية مرنة أم هشاشة ميدانية؟
يعمل “أسطول الظل” كشبكة معقدة من الناقلات والوسطاء وشركات الواجهة في ولايات قضائية عرب تايموعة (هونغ كونغ، جزر مارشال، وجزر العذراء البريطانية). وتلجأ السفن لأساليب مراوغة تشمل تغيير الأسماء والأعلام، تعطيل نظام التعرف الآلي (AIS)، وإجراء عمليات نقل الشحنات في عرض البحر (Ship-to-Ship).
وعرّفت المنظمة البحرية الدولية (IMO) هذا الأسطول عام 2023 بأنه الشبكة المنخرطة في التحايل على العقوبات وقواعد السلامة. ومحليًا، أدرجت وزارة الخزانة الأميركية أكثر من 100 سفينة مرتبطة بهذا الأسطول على قوائم العقوبات منذ مطلع عام 2026. وتمنح هذه البنية المرنة الشبكة قدرة عالية على التكيف السريع وتغيير الهويات، لكنها تمثل في الوقت ذاته نقطة ضعفها، إذ يظل المشغلون مستثمرين يبحثون عن الربح ولا يمثلون بالضرورة حلفاء عقائديين لطهران.
قواعد جديدة للرحلة البحرية
تغيرت التحديات أمام “ناقلات الظل” بشكل جذري؛ فبدلًا من الاكتفاء بإخفاء مصدر النفط والهروب من المصارف الغربية، صار لزامًا عليها عبور منطقة قتال فعلية وحصار بحري تخللهما ألغام واعتراضات جوية وبحرية. كما تراجعت صادرات النفط الإيرانية بنسبة 43% في أول شهرين من الحرب.
وأعادت القوات الأميركية توجيه 44 سفينة إيرانية أو مرتبطة بتجارة إيران مطلع مايو/أيار إثر فرض الحصار في 13 أبريل. أدى تفاهم مؤقت في يونيو/حزيران إلى عودة مؤقتة لعشرات الناقلات، قبل أن ينهار التفاهم وينهار معه الحراك التصديري في منتصف يوليو.
و بحلول مطلع أغسطس، خمد النشاط تمامًا في جزيرة خارك وبقيت أرصفة التحميل شاغرة.و في التاسع من سبتمبر، لم يعبر مضيق هرمز سوى ست سفن تنقل سلعًا فقط، مقارنة بنحو 125 إلى 138 سفينة يوميًا قبل اندلاع الحرب.
















