كتب/ عبدالله باحاج
ان ماتشهده الساحه السياسيه الخليجيه والعربيه اليوم من انسحابات ليس مجرد خلاف عابرا او تباينات في وجهات النظر بل هو انعكاس لخال عميق في هندسة العلاقات داخل مجلس التعاون الخليجي وفي فلسفة ادارة السياسه الخارجيه للسعوديه التي باتت تختزل مفهوم السياده الى معادله ماليه بحته.
السعوديه لم تعد تتعامل مع مجلس التعاون الخليجي كمنظومه تكامليه تقوم على النديه واحترام خصوصيات الدول الاعضاء بل تسعى إلى اعادة تشكيله وفق منطق المركز والأطراف حيث تتحول المجلس والدول العربية. حيث تتحول الدول العربية ودول مجلس التعاون من كيانات ذات مستقله الى ملحقات وظيفيه ضمن مشروع اقليمي واحد تدار خيوطه من الرياض وما يجري اليوم من تفكيك ممنهج للنسيج الاجتماعي الجنوبي ليس نموذجآ مصغرا لهذا المشروع الاكبر. مشروع تفكيك البنيه الوطنيه العربيه واعادة تركيبها بما يخدم رؤيه مركزيه واحده.
الدليل العملي على هذا الاتجاه لم يعد خافيآ حين تم انسحاب دولة الإمارات العربية المتحدة من قوة الدفاع المشترك الخليجي وسبق ذلك اعلانها الخروج من منظمة اوبك..هما مؤشران سياسيان بدرجة امتياز على ان قواعد اللعبه داخل المنظومتين الاقليميه والاقتصادية قد تغيرت تمامآ لان الدول ذات الوزن السياسي والاقتصادي لا تنسحب من مؤسسات التكامل إلا عند ما تشعر بأن هذه المؤسسات لم تعد تخدم مصالحها السياديه بل تحولت إلى ادوات لتمرير قرارات وتكريس تبعيه سياسيه مقنعه.
ان السياسه السعوديه الحاليه تقوم على ركيزتين يتمثلان في المال والوصايه فسيتخدم المال كآداة ضغط ونفوذ لشراء المواقف وتطويع القرارات. والوصايه تقدم كعنوان قياده تخفي في جوهرها مشروع الالحاق لكن المشكله ان هذا النهج يفتقر الى العمق الاستراتيجي لأنه لا يوجد مشروع عميق قائم على شراكات متكافئه ورؤيه سياسيه واقتصاديه مستقبليه يفسح المجال للدول العربية بل يوجد اداره آنية الازمات بمنطق الصفقات السريه وتحت وطأة اراده سياسيه تريد أن تفرض حضورها الاقليمي والدولي بالقوه الناعمه للمال لا بقوة الفكره او التحالفات المترابطه والمتوازيه.
النتيجه المنطقيه لهذا النهج هي ماتراه الآن تفكك تدريجي في منظومة الدفاع الخليجي وتصدع في منظومة الطاقه واهتزاز في الثقه بين عواصم دول الخليج وحين تنسحب دوله بحجم دولة الإمارات العربية المتحدة من منظومتين حيويتين فان ذلك يعني أن عقد التكامل بدأ ينهار ويتمزق وان كل دوله بدأت تبحث عن مسارها السيادي خارح عباءة المركزيه لانها لم تعد توفير لها الحمايه ولا الاحترام.
ان المشروع السعودي لتفكيك النسيج الاجتماعي في الجنوب ياتي ضمن هذا السياق الاوسع فمن يريد ان يلحق دولآ كامله بمشروعه لن يتورع عن تفكيك مجتمعات صغيره لعدم ضمان اي كيان محلي قادر على قول (( لا )) الهدف واحد الغاء التعدديه ومصادرة حق الاختلاف. وتحويل الحميع الى تابعين في مشروع لا مكان فيه إلا المركز.
ختامآ ماتحتاجه المنطقه ليس مزيدآ من المال السياسي بل تحتاج مشروعآ سياسيآ وعسكريآ واقتصاديآ تكامليآ حقيقيآ يقوم على أساس الاحترام المتبادل وتوزيع الادوار واعتراف كل طرف بسيادة الاخر وبدون ذلك فسيتحول مجلس التعاون الخليجي من حلم تكاملي الى ذكرى تفكك وستتحول الجامعه العربيه من بيت العرب الى سوق الصفقات تسيبقى الوطن العربي اسيرآ لسياسات مقززه تدار بفائض مالي لا بفائض رؤيه تصاغ باشراك الجميع بالسياده ومستقبل تعزيز التكامل العربي ذات الانفتاح على العلاقات العامة بين جميع الدول العربية.

















