تمر قضية شعب الجنوب في مرحلتها الراهنة بمنعطف تاريخي وحاسم يتجاوز بوضوح حدود المطالبة بالخدمات الأساسية أو التحسينات المعيشية التقليدية، لينتقل بقوة إلى مربع تثبيت الكيان السياسي والسيادي الراسخ على الأرض.
وفي ظل هذا المشهد السياسي المعقد والمتشابك، يبرز الاصطفاف المجتمعي الجنوبي كأقوى الأسلحة الاستراتيجية التي يمتلكها الجنوبيون في مواجهة التحديات، ليس فقط كفعل احتجاجي عابر، بل كاستراتيجية دفاعية شاملة ووعي جمعي يرفض تمامًا كافة المخططات المشبوهة الرامية إلى زعزعة الاستقرار أو اختراق النسيج الوطني الجنوبي المتماسك. إن محاولات “تفكيك الصف” التي تراهن عليها بعض القوى المعادية، تصطدم اليوم بوعي شعبي غير مسبوق ونضج سياسي أثبتت الوقائع أنه غير قابل للاحتواء أو التضليل من قبل أي جهة كانت.
فالجنوبيون اليوم يدركون بعمق أن أي اختراق لوحدتهم الداخلية هو المدخل الوحيد والأساسي لتمرير مشاريع الالتفاف على قضيتهم العادلة، لذا يأتي الحضور الشعبي المتواصل والزخم الجماهيري في الميادين والساحات كرسالة سياسية حازمة وواضحة مفادها أن “الجنوب جبهة واحدة” لا تقبل القسمة. وقد تلاشت خلال السنوات الأخيرة كافة الرهانات البائسة على تمزيق الهوية الجنوبية لصالح وعي جمعي متطور يضع المصلحة الوطنية العليا فوق كل اعتبار فئوي أو منطقي ضيق، وهو ما تجلى في القدرة على تجاوز الأزمات المفتعلة والتمسك بالهدف الأسمى المتمثل في استعادة الدولة كاملة السيادة، وهو الهدف الذي يجمع عليه كافة أبناء الجنوب من المهرة شرقًا حتى باب المندب غربًا.
إحباط الكيانات الوهمية
إن هذا الاصطفاف الوطني العريض هو الذي أفشل، ولا يزال يفشل بكل حزم، كافة محاولات صناعة “الكيانات الوهمية” أو المكونات الهلامية التي تهدف إلى تشتيت التمثيل السياسي للجنوب وإضعاف قوته التفاوضية في المحافل الدولية. ويمثل التمسك بما تحقق من منجزات أمنية وعسكرية كبرى، وعلى رأسها القوات المسلحة الجنوبية، حجر الزاوية في العقيدة الوطنية الجنوبية الحالية، حيث يرى المواطن الجنوبي في هذه القوات الوطنية صمام الأمان الحقيقي الذي يحمي الأرض من خطر الإرهاب العابر للحدود ومن القوى المتربصة التي تحاول مرارًا إعادة الجنوب إلى مربع الفوضى والتبعية. إن هذه الثقة المتبادلة بين الشعب ومؤسسته العسكرية هي الضمانة الأكيدة لاستمرار حالة الاستقرار التي تنعم بها المحافظات الجنوبية رغم المحاولات المستمرة لزعزعتها.
كما أن الإصرار الشعبي على حماية المكتسبات السياسية التي انتزعها المجلس الانتقالي الجنوبي، بصفته الشريك الشرعي والمعترف به إقليميًا ودوليًا، ينبع من إيمان راسخ بأن هذه المنجزات ليست مجرد مكاسب حزبية، بل هي “القواعد الخرسانية” الصلبة التي ستُبنى عليها المرحلة المقبلة من عمر الدولة. فالحفاظ على ما تحقق في أروقة السياسة والاعتراف الدولي بحق الجنوبيين في تمثيل أنفسهم ليس مجرد تمسك بالماضي أو الحاضر، بل هو تأمين حقيقي لمستقبل الأجيال القادمة في دولة فيدرالية حديثة تضمن العدالة والمساواة، وتحمي الموارد من النهب المنظم الذي تعرضت له على مدار العقود الماضية تحت مسميات واهية.
مواجهة حرب الاستنزاف
وتواجه الجماهير الجنوبية اليوم ما يمكن تسميته بـ “حرب الاستنزاف المعيشي” الممنهجة، وهي حرب قذرة تُستخدم فيها الخدمات والملف الاقتصادي كأداة ضغط سياسي لزعزعة الثقة المتينة بين الشعب وقيادته السياسية. ومع ذلك، أثبتت الوقائع الميدانية المتلاحقة أن الضغط الاقتصادي الخانق لم يؤدِ إلى الانكسار السياسي المنشود من قبل الخصوم، بل على العكس تمامًا، فقد زاد من تمسك الناس بضرورة السيطرة الكاملة على الموارد الوطنية والقرار السيادي لإدارة شؤونهم بأنفسهم. ويتجلى رفض المخططات المشبوهة في قدرة الشارع الجنوبي العالية على التمييز الدقيق بين المطالبة بالحقوق الخدمية المشروعة وبين الانجرار خلف دعوات الفوضى والتخريب التي تخدم أجندات خارجية مشبوهة تريد تجريد الجنوب من قوته السياسية.
ختامًا، يمكن القول إن الاصطفاف الجنوبي الراهن هو بمثابة “تفويض متجدد” ومستمر لا يقبل التأويل أو التشكيك، يؤكد من خلاله الشعب أنه الحارس الحقيقي والوحيد للمكتسبات الوطنية التي تحققت بالدم والعرق.
إن المرحلة المقبلة، بما تحمله من تحديات جسيمة واستحقاقات سياسية كبرى، تتطلب هذا التلاحم العضوي والوثيق بين القيادة والشعب، لضمان الانتقال السلس والقوي من مربع الدفاع عن المنجزات الحالية إلى مربع فرض الواقع السياسي الجديد الذي يلبي تطلعات الجنوبيين. وسيظل الجنوب، بوعي أبنائه وصلابة موقفهم المبدئي، هو الصخرة التي تتحطم عليها كل مشاريع التفتيت، والركيزة الأساسية والوحيدة لأي استقرار حقيقي ودائم في المنطقة العربية والإقليم ككل.















