في تطور ميداني لافت يعكس تعقيدات الصراع في منطقة الساحل الأفريقي، أعلنت مالي عن استعادة السيطرة على مدينة ميناكا الاستراتيجية شمال غربي البلاد، بعد أسابيع من سيطرة جماعات مسلحة متمردة عليها، في عملية وصفت بأنها ضربة قوية للجماعات الإرهابية الناشطة في المنطقة.
معركة ميناكا: نقطة تحول ميدانية
جاءت عملية استعادة المدينة بعد هجمات منسقة شنتها الجماعات المسلحة في أواخر أبريل، أسفرت عن خسائر كبيرة في صفوف القوات الحكومية، وامتدت لتشمل هجومًا انتحاريًا استهدف وزير الدفاع المالي الراحل ساديو كامارا، ما أدى إلى مقتله وإحداث صدمة داخل المؤسسة العسكرية في باماكو.
ورغم هذا الهجوم، تمكنت القوات المسلحة المالية من إعادة تنظيم صفوفها سريعًا، وشن هجمات مضادة انتهت باستعادة المدينة، في مؤشر على تحول في ميزان القوة الميداني.
“السبت الأسود” وتحول تكتيكي في الصراع
تشير تقارير ميدانية إلى أن الهجمات الأخيرة جاءت ضمن ما وُصف بـ“تكتيك البرق”، وهو نمط من العمليات السريعة والمباغتة التي تهدف إلى إرباك القوات الحكومية والسيطرة على مواقع استراتيجية.
لكن هذا التصعيد دفع الجيش المالي إلى تبني استراتيجية هجومية مضادة، أعادت له بعض زمام المبادرة في ساحة معركة شديدة التعقيد.
إعادة تشكيل التحالفات: خروج الغرب ودخول روسيا
يمثل الصراع في مالي جزءًا من تحولات استراتيجية أوسع بدأت عام 2021، عندما قررت السلطات العسكرية في باماكو إنهاء الوجود العسكري الفرنسي والأوروبي، وإعادة توجيه تحالفاتها الأمنية نحو روسيا.
هذا التحول تجسد في دخول ما يُعرف بـ“فيلق إفريقيا”، التابع لوزارة الدفاع الروسية، والذي بات لاعبًا رئيسيًا في العمليات العسكرية داخل البلاد.
الدور الروسي: قوة جوية ولوجستية متكاملة
حسب تقارير ميدانية، لعبت القوات الروسية دورًا محوريًا في صد هجمات المتمردين، حيث ساهمت في إحباط محاولات السيطرة على مواقع عسكرية، وتكبيد الجماعات المسلحة خسائر بشرية تُقدَّر بأكثر من 200 عنصر.
أبرز مكونات القوة الروسية في مالي:
- مروحيات نقل وهجوم من طراز مي-8
- مروحيات هجومية من طراز مي-24
- مروحيات ثقيلة من طراز مي-26
- مقاتلات هجومية من طراز سو-24
- طائرات نقل استراتيجية من طراز إيل-76
وقد تم استخدام مطار باماكو الدولي كقاعدة عمليات متقدمة، ما يعكس حجم الانخراط الروسي في العمليات الميدانية واللوجستية.
اتهامات وتوترات دولية متصاعدة
في خضم هذا التصعيد، اتهم مسؤولون في الحكومة المالية جهات أجنبية بدعم الجماعات المسلحة، مع تلميحات إلى تورط أطراف أوروبية وأوكرانية في تدريب وتمويل المتمردين، وهي رواية لم تُثبت بشكل مستقل لكنها زادت من حدة التوتر الدبلوماسي.
وفي المقابل، نفت جهات غربية هذه الاتهامات، بينما اعتبرتها موسكو دليلًا على “حرب بالوكالة” تستهدف تقويض نفوذها في القارة الأفريقية.
الرواية الروسية: حرب ضد 12 ألف مقاتل
من جانبها، أعلنت وزارة الدفاع الروسية أن نحو 12 ألف مقاتل يشاركون في الهجمات ضد الحكومة المالية، مشيرة إلى أن بعضهم تلقى تدريبات خارج البلاد.
وتستخدم موسكو هذه الرواية لتبرير توسع وجودها العسكري في المنطقة، وربطه بجهود “مكافحة الإرهاب” وإعادة الاستقرار.
البعد الجيوسياسي: مالي كساحة صراع نفوذ
لم تعد الحرب في مالي مجرد صراع داخلي، بل تحولت إلى ساحة تنافس دولي بين قوى كبرى تسعى لإعادة رسم نفوذها في غرب إفريقيا.
فبينما تسعى روسيا لتعزيز حضورها العسكري والسياسي، تحاول قوى غربية الحفاظ على تأثيرها التقليدي، في ظل بيئة أمنية هشة وانتشار واسع للجماعات المسلحة.
خلاصة: استعادة مدينة أم بداية مرحلة جديدة؟
تمثل استعادة ميناكا مكسبًا ميدانيًا مهمًا للحكومة المالية، لكنها في الوقت نفسه لا تنهي جذور الأزمة، بل قد تعيد تشكيلها في إطار أكثر تعقيدًا.
فمع استمرار التدخلات الخارجية وتعدد الفاعلين العسكريين، تبدو مالي مقبلة على مرحلة طويلة من الصراع، حيث تتداخل الحرب على الإرهاب مع صراعات النفوذ الإقليمي والدولي، في واحدة من أكثر بؤر عدم الاستقرار حساسية في القارة الأفريقية.















