يبدو أن الغرب قد أفلس فعلا جراء سياساته التي كانت طيلة العقود الأربعة المنصرمة لصالح نظام الملالي بشكل أو بآخر.. ففي لحظة سياسية فارقة شهد البرلمان الكندي يوم 27 مايو 2026 انعقاد مؤتمر رفيع المستوى حمل دلالات استراتيجية تتجاوز في أبعادها حدود الندوة البرلمانية التقليدية.. لقد شكل هذا المحفل منصة دولية لتشريح الأزمة الهيكلية التي يعاني منها النظام في طهران حيث توافقت رؤى المشرعين والخبراء الدوليين على أن سياسات “الاسترضاء” الغربية قد بلغت طريقًا مسدودًا، وأن التغيير الديمقراطي بات يمثل الضرورة الاستراتيجية الوحيدة لإنهاء حالة عدم الاستقرار الإقليمي والعالمي.. فهل يصحو هذا الغرب ويخطو في مسارٍ صحيح؟…
لا استرضاء بعد اليوم.. المعادلة اليوم باتجاه إعادة صياغة رؤية دولية رشيدة
عقود طويلة أمضتها منظمة مجاهدي خلق والمقاومة الإيرانية بالآلام والتضحيات الجسام في ساحة المواجهة مع نظامين استبداديين تبادلا الحكم بالطغيان على عرش إيران “نظام الشاه وخليفته نظام ولاية الفقيه”.. لكن هذه المواجهة مع هذين النظامين من وجهة نظر إقليمية وعالمية خبيرة كانت أقل وطأة وأقل حدة من القيود التي فرضها الغرب على المقاومة الإيرانية..، ولقد كانت عقود المواجهة تلك حافلة بمزيد من الانتصارات السياسية لدى المقاومة الإيرانية بعد أن حطمت الكثير من المؤامرات على صخرة صمودها.. والأطراف الثلاثة (نظام الملالي – الغرب المهادن – المقاومة الإيرانية) كلٌ ماضٍ في مساره لكن المنتصر على الدوام كان المقاومة الإيرانية حاملة راية الحقيقة.
في هذه الندوة الهامة التي تنعقد في توقيت حساس؛ أجمع المشاركون وفي مقدمتهم جودي اسغرو ومايكل كوبر على أن النظام الإيراني لم يعد يمثل طرفًا قابلًا للإصلاح بل تحول إلى كيان عدواني قائم على القمع وصناعة الأزمات كأدوات وثوابت من أجل البقاء.
إن ما تبلور في أروقة البرلمان الكندي في ذلك الحدث يعكس تحولًا نوعيًا في القراءة الغربية للمشهد الإيراني؛ إذ لم تعد القضية تُختزل في الملف النووي أو السلوك الإقليمي بل في شرعية النظام ذاته.. فالمداخلات أكدت أن محاولات الفصل بين “سلوك النظام” و”بنية السلطة” هي قراءة قاصرة؛ إذ إن الطموحات النووية والنزعة التوسعية تشكل جزءًا لا يتجزأ من أدبيات ونهج سُلطة الملالي القائمة.
لا خيار بعيدًا عن البديل الديمقراطي.. بعد التكبيل والحصار!!!
تجسد الثقل السياسي للمؤتمر في تبني طرح السيدة مريم رجوي رئيسة المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية بوصفه خارطة طريق واقعية لمرحلة ما بعد الاستبداد.. ولقد قدمت خطة المواد العشر نفسها كإطار عملي يؤسس لجمهورية ديمقراطية تقوم على فصل الدين عن السلطة، والمساواة الكاملة وسيادة القانون.
إن دعم قامات وشخصيات كبيرة مثل الوزير السابق توني كليمنت والسفير روبرت جوزيف لهذا المشروع يشير إلى نضوج قناعة دولية بأن الفراغ السياسي الذي قد ينشأ عقب سقوط النظام لا ينبغي أن يُملأ بالفوضى أو بحنين زائف للماضي المتمثل في (نظام الشاه) الذي يريد أن يحييه الغرب لتستمر مدرسة الاستبداد في إيران؛ والخيار والحل الرشيد هو تبني البديل الوطني الديمقراطي المنظم والمنبثق من إرادة الشعب وهو المقاومة الإيرانية.
قمع وترويع المجتمع استراتيجية من أجل البقاء
أشار المشرعون الكنديون في تحليلهم للجانب الأمني لدى نظام الملالي إلى أن تكثيف الإعدامات السياسية في الداخل الإيراني ليس دليلًا على قوة النظام بل هو انعكاس لحالة الذعر التي تعتري مؤسساته في مواجهة حركات الاحتجاج المنظمة، وقد أوضح مايكل كوبر أن التعتيم الرقمي والقمع الممنهج هما الوجه الآخر لعجز النظام عن تقديم أي حلول سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية للأزمات المزمنة التي يستمر من خلال الإبقاء عليها؛ هذا التحليل الميداني يضع المجتمع الدولي أمام مسؤولياته الأخلاقية والسياسية في دعم “وحدات المقاومة” التي أثبتت أنها القوة الوحيدة القادرة على تحويل الغضب الشعبي إلى فعل سياسي منظم.
تفكيك ثنائية “الحرب أو المفاوضات”
نجح المؤتمر في تجاوز الثنائية التقليدية التي كبلت السياسة الخارجية الغربية لعقود.. أي المفاضلة بين “المفاوضات العقيمة” و”الحرب الشاملة”.. وإن الطرح الاستراتيجي الجديد يرتكز على الاستثمار في طاقة التغيير الداخلية، ودعم هذا التوجه يعني بالضرورة:
1. الاعتراف الرسمي: بـ “المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية” كبديل ديمقراطي شرعي.
2. الضغط الدبلوماسي: عبر تقليص النفوذ الدبلوماسي للنظام وعناصره في الخارج.
3. الشرعية الشعبية: التأكيد على أن أي عملية تغيير يجب أن تكون ذاتية المنشأ بعيدة عن أي تدخلات أجنبية قد تضر بالسيادة الوطنية.
استحقاقات التغيير
إن انعقاد هذا المؤتمر في كندا وما تبعه من تصريحات حقيقية رصينة تستمد قوتها من قراءة سليمة للواقع ليمثل جرس إنذار لنظام الملالي بأن “رصيد الوقت” قد نفد.. وإن التناغم بين رؤية المقاومة الإيرانية المنظمة وبين قوى سياسية دولية يفرض واقعًا جديدًا؛ فالمجتمع الدولي لم يعد ينظر إلى إيران كدولة تتمتع بالاستقرار القسري بل كدولة تتحرك حثيثًا نحو تحول ديمقراطي حتمي.
من هنا فإن مستقبل إيران ووفقًا لهذا التحليل لم يعد مرهونًا بقرارات أروقة السلطة في طهران بل بمدى سرعة وقوة استجابة العالم لدعم مشروع التغيير الجذري الذي يتبناه الشعب الإيراني، والذي يهدف إلى استعادة مكانة إيران كدولة ديمقراطية ومسالمة في محيطها الدولي.
قراءة
لقراءة وتحليل هذا الموقف استراتيجيًا يجب قراءة المؤتمر ليس كحدث منفصل بل كجزء من تحول في العقيدة السياسية الغربية تجاه نظام الملالي في إيران.. فالنظام في طهران يعيش الآن حالة من “الحصار المزدوج” وضغوط داخلية متزايدة نتيجة الأزمات الاقتصادية، وكذلك نتيجة التوسع في نطاق الاعتراف الدولي بالبديل الديمقراطي.
إن الربط بين “شرعية التغيير من الداخل” و”التأييد السياسي من الخارج” هو ما يفسر حالة القلق التي يبديها النظام، وإن المقاومة الإيرانية ليست طرفًا في نزاع أيديولوجي بل مؤسسةً سياسية منظمة تطرح مشروعًا قابلًا للتطبيق مما يجعل الحجة المقدمة للمجتمع الدولي قوية ومبنية على أسس “الاستقرار الديمقراطي” وليس فقط “المعارضة السياسية”.
ختاما.. هل يصحو ويستقيم الغرب ليسقط نظام الملالي على يد الشعب وبدون حروب واضطرابات إقليمية ودولية؟
د. مصطفى عبدالقادر أستاذ جامعي

















